نحن في شهر مارس شهر المرأة وعيد الأم الذي تحتفل فيه الأسرة بالأم لتكريمها ورد الجميل إليها والاعتراف بفضلها وعطائها المتدفق بلا حدود وبلا نهاية. وهو أيضا شهر الذكريات للأم الغالية التي رحلت. رحلت أمي العظيمة وأنا صغيرة. كانت حبيبتي ومازالت وكنت حبيبتها الأثيرة لديها, فأنا أصغر طفلة, وأنا شريكتها في البيت, حيث سافر الأخ الأكبر ليكمل دراسته ورحلت الأخوات للدراسة في مدرسة الأفريكان بأسيوط, لأن البلدة التي نعيش فيها صغيرة وليس فيها مدارس يمكن الالتحاق بها. وقد تمسكت بالبقاء مع أمي وتمسكت هي بي حتي لا يفرغ المكان وقد بلغت سن الدراسة والالتحاق بالمدرسة ولكنني لا استطيع أن أتركها وهي كذلك, وإن كانت تداري رغبتها وتؤكد علي ضرورة السفر. وحدث ما كنت أخشاه وافترقت عنها, وبمشاعر طفلة انتزعوها من حضن أمها بكيت بكاء مرا, وفي كل يوم أردد رغبتي في العودة إليها, ودخلت المدرسة في السنة الثالثة من مرحلة الروضة, وتم قبولي لأنني كنت أتعلم في البيت علي يدي أمي, وسارت الحياة وأنا أعد الأيام والليالي حتي تأتي الإجازة لأعود إلي حضن أمي.
ورحلت أمي.. حبيبتي ورفيقة دربي وصديقتي وأنا صغيرة, وهكذا حرمت منها ومن صحبتها وحبها وحنانها ورعايتها, ولكنها بقيت في قلبي سكنته وتربعت فيه, استعيد صورتها, واستشعر أنفاسها وأتصورها بجواري في فراشي ويكفيني هذا الإحساس, ومرت الأيام ويوم التحاقي بالجامعة استعدت ذكرياتي معها وهي تقف إلي جواري وتناصرني حتي التحق بالجامعة وأكمل تعليمي وأصبح شابة لها مكانة في المجتمع.. وكان لها ما أرادت, وحققت لها أمنيتي وأمنيتها.
ويوم تخرجت دمعت عيناي وأنا أتمني لو كانت معي لتفرح وتعطيني بسمتها الأثيرة وحضنها الدافئ. وأعترف أن ذكراها لم تفارقني, وفي كل مناسبة أحن إلي وجودها معي. في يوم التحاقي بالعمل الصحفي, كلما خط قلمي موضوعا عن عيد الأم وفي كل عيد وموسم دراسي وفي يوم التحاق ابني بدراسته, تم التحاق ابنتي بدراستها, ويوم تخرج ابني وأقمت له احتفالا جمع أفراد الأسرة وغابت عنه أمي الحبيبة, ويوم أنهت ابنتي دراستها كنت في حاجة إلي وجودها, ويوم زفاف ابنتي إلي عريسها نظرت إلي ابنتي وأنا أقول لها أنت محظوظة لأني بجوارك يوم زفافك, وعندما أصبحت جدة كانت سعادتي غامرة والصغار ينادونني تيته تيته. وتمنيت لو أن أمي رأت كل ذلك ولم ترحل وأنا مازلت صغيرة. إنها في قلبي وعقلي وإلي جواري بالفكر والخيال, كانت أما عظيمة ومازالت. تحية لها في ذكراها وتحية لكل أم أعطت وأحبت وربت بنينا وبناتا ملؤا الدنيا, وكل أم وهي طيبة وبخير وسلامة وعمر مديد.














