من هي؟… هي الأم والأخت والابنة والجارة… هي المرأة الريفية البسيطة التي قد لا تعرف القراءة ولكنها تخرج للمجتمع علماء… هي عماد البيت والعمود الفقري الذي يصلب كيانه… هي التي تنظم البيت وترتبه وتحافظ علي التوازن بداخله… هي رمز للحياة اليومية البسيطة كربة منزل تعيش يومها بهدوء وسط صخب الحياة وتؤدي دورها في رضاء كامل دون كلل أو شكوي.
من هي؟… هي بالفعل كل شئ… هذا ما عبرت عنه الفنانة المتميزة مها صفي الدين أبو العز في معرضها الذي يحمل اسم هي والمقام بالقاعة الرئيسية للفنون التشكيلية بدار الأوبرا خلال النصف الأول من أبريل الجاري, ويتميز اتجاه مها صفي الدين بالميل إلي الصراحة والوضوح في أعمالها الفنية فهي تستخدم درجات ألوان نقية جدا, وعناصر صريحة لا تحتمل معنيين. كما اعتمدت في غالبية لوحاتها علي رسم المشهد من مستوي النظر – أي أن المشاهد للوحاتها يجد نفسه كما لو أن متواجدا في الحدث نفسه وضمن المؤثرين فيه, ويعتبر هذا الاتجاه من أهم ما يميز المدرسة الواقعية في الفن التشكيلي.
جاءت الواقعية ردا علي المدرسة الرومانسية في أوائل القرن التاسع عشر, فقد اعتقد أصحاب الواقعية بضرورة معالجة الواقع برسم أشكاله وعناصره كما هي, فالمدرسة الواقعية ركزت علي الاتجاه الموضوعي في العمل الفني, وجعلت المنطق الموضوعي أكثر أهمية من الذات, فصور الرسام الحياة اليومية بصدق وأمانة, دون أن يدخل ذاته في الموضوع, وذلك ما تجده في لوحات الفنانة مها صفي الدين, فتجدها ترسم الواقع في لوحة حارة دعبس والسيدات يجلسن وقت المغرب بجوار بيوتهن البسيطة, ولأنهم تعودوا في القرية علي الأمان الكامل, فأبوابهم دائما مفتوحة دون خوف أو ترقب, ولوحة الفنجان لامرأة ريفية تجلس وقت المغرب علي الأريكة تتناول الشاي ببال رايق دون قلق من أي شئ.
ويعتبر الفنان كوربيه من أعلام المدرسة الواقعية فقد صور العديد من اللوحات التي تعكس الواقع الاجتماعي في عصره, فقد كان ريفيا ولد في فرنسا وبدأ حياته بتصور الطبقات الغنية وفي عام 1848 قرر ترك الحركة الرومانسية بعد أن اقتنع أنها هرب من الواقع ولجوء إلي الخيال, وبدء في التصوير الواقعي للحياة اليومية وساهم بشكل كبير في وضع أسس وقواعد المدرسة الواقعية للفن التشكيلي.
تضمن معرض الفنانة مها صفي الدين عدة لوحات لأفكار متعددة جميعها تدور حول الحياة اليومية للمرأة عامة والمصرية الريفية خاصة, فتجد لوحات تعبر عن المرأة البسيطة في المطبخ المتواضع ذو الإمكانات البسيطة ولكنها تقوم بأداء أعمالها بكل جد ونشاط وبرضاء كامل. والملاحظ لغالبية لوحات المعرض سيجد المرأة في وضع الجلوس باستمرار, فهي إما تجلس علي الأريكة في وقت الغروب, أو تجلس علي السرير لفرز الغسيل, أو تجلس علي الكنب خارج المنزل وقت الغروب, أو تجلس علي الأرض أمام الطاولة لإعداد الطعام, ويعتبر وضع الجلوس في تصوير المرأة هو الأمثل لما يمثله من استقرار وهدوء, فهي لا تفكر في شئ سوي إعداد بيتها والطعام لزوجها وأبنائها.
التفاصيل الدقيقة
كما ذكرنا أن الواقعية تعبر عن المشهد -كما هو- بما فيه من أحداث دون تدخل أو تغيير فيها, فلذلك تجد في جميع لوحات المعرض تفاصيل داخل اللوحات بدرجاتها اللونية المتميزة, فمثلا في لوحة الغسيل نجد المرأة تجلس علي السرير وهي تجمع الغسيل في مجموعات, وكعادة البيوت في الريف ونجد أن السرير موجود مع المطبخ في ذات الحجرة وتجد عدة تفاصيل فـالوابور إلي جوار البوتاجاز والدولاب إلي جواره ولمبة الجاز بجوار الدولاب لاستخدامها في الإضاءة ليلا, والبصل معلق علي الحائط, وجردل موجود أسفل الحوض كل هذه التفاصيل تتجاوز مع المشهد الرئيسي وهو جمع الغسيل.
وفي لوحة إعداد الطعام نجد اهتمام الفنانة بأدق التفاصيل للعناصر, فالأم تعد الطعام وبجوارها كوب الشاي والكنكة… وجميع مستلزمات إعداد الطعام, ويحيط بها دولاب وشنطة أمتعة, وأوفة فوق الدولاب لتخزين العيش, ولمبة الجاز وبوتاجاز وشرفة مفتوحة وطيور تأكل علي أرضيتها من البذور التي نثرتها الأم قبل أن تبدأ في إعداد الطعام, كل هذه التفاصيل تعبر عن مدي قدرة الفنانة علي تصوير واقعية الموقف بأكثر عدد ممكن من التفاصيل ليعطي للوحته معني واحد هو الحياة اليومية للمرأة الريفية.
المنظور الحر
استخدمت الفنانة مها صفي الدين في جميع خطوطها تقنية المنظور الحر لتعبر عن المساحات بشكل يتسم بالواقعية, فالمنظور الهندسي يجعل الخطوط منتظمة إلي نقطة بعد بؤري واحدة أو اثنتين, بينما المنظور الحر يتيح للفنان وضع عدة عناصر في أماكن متفرقة وكل منها له أبعاده المنظورية الطبيعية الخاصة به نتيجة تباين أحجام العناصر بعضها كبير والآخر ضئيل جدا, وكما سبق أن ذكرنا اعتماد الفنانة علي الرسم في مستوي النظر لتدمج المشاهد في الأحداث, فعزفت عن رسم اللوحات من (فوق) مستوي النظر حتي لا تقلل من الموضوع أو تنظر له نظرة دونية بها شئ من التحقير لمكانة هذه المرأة المكافحة, كما عزفت أيضا عن الرسم من (تحت) مستوي النظر حتي لا تضخم من الأحداث, فالرسم في مستوي النظر يخدم معني الواقعية الذي ترجوه الفنانة مها صفي الدين.
في غالبية اللوحات ستجد أبواب وشبابيك البعض منها مفتوح والبعض الآخر مغلق فتميزت تلك الأجزاء بمحاكاتها منظوريا مع الأحداث ولا سيما الظل والنور الذي أضفي علي المشهد قدرا أكبر من الواقعية, فتجد فتحة الشبابيك تلائم منظوريا العناصر المحيطة من أسرة وكنب وعناصر المطبخ وغرفة المعيشة, ففي جميع اللوحات ستشعر بالتلائم بين المنظور الخاص بالمشهد وبين حركة ضلف الأبواب أو الشبابيك, مما يعطي واقعية أكثر للمشهد.
الظل والنور
استخدام الظل والنور علي الألوان النقية يعتبر مخاطرة من الفنان, فكلما زادت الدرجات النقية المستخدمة يخشي الفنان من الظلال حتي لا يحدث حرق للألوان النقية مما قد يضفي دون قصد درجة من الكآبة علي العمل الفني.
نجحت الفنانة مها صفي الدين في استخدام الظلال -بالأماكن المؤثرة فقط- لتعطي إحساسا واقعيا للمشهد, ففي لوحة حارة دعبس نجد السيدتين الجالستين خارج باب المنزل ويظهر اتجاه النور من أقصي اليمين فتظهر الظلال متدرجة علي الرداء من اليسار والانحناءات بأكثر حدية قائمة, وتظهر أسفل الأريكة ظلال أخري لقدم السيدتين مرسومة بشكل تقني فكلما بعدت يسارا حتي باب المنزل المفتوح تجد الظلال تبدو أكثر عتما مما يوضح حرفية استخدام الظلال والإحساس العالي بأماكن الضوء, حتي يكتمل توازن اللوحة أعطت الفنانة مها لسعة ضوء قوية من بين الظلال داخل المنزل, وكأنها تشير لوجود شباك تدخل منه أشعة الشمس لتضئ الظلام, وبذلك أصبحت الإضاءة موزعة علي جميع أركان العمل الفني برغم وجود ظلال متعددة فالشكل متناسق كتليا ولونيا.
وفي لوحة إعداد الطعام اهتمت الفنانة بتوضيح البعد الظلي من دخول الشمس للحجرة من خلال الشرفة حتي وصول الضوء إلي الطعام الذي تعده المرأة ويظهر عمق الضوء عند مدخل الشرفة وتدرج الظلال من الفاتح إلي القاتم حتي الوصول إلي طاولة إعداد الطعام بأقصي درجات قاتمة علي اللون البني ثم تعود الدرجات لتكمل واقعية المشهد فتجد رداء المرأة فاتحا ويتدرج إلي الداكن حتي أقصي يمين اللوحة.
ولم تنس الفنانة مها الظلال التكميلية والتي تنتج من أرضيات العناصر, مثل ظلال الطائرين الموجودين بالشرفة, وظلال المرأة علي مفرش السرير وظلال ضلفة الشرفة علي الدولاب الملاصق لها, فجميع هذه الظلال تعطي شيئا من الواقعية علي العمل الفني.
العذراء والمسيح
إن كانت الفنانة مها صفي الدين عبرت عن عدة معاني في هي كأم في المنزل الريفي تحتضن بيتها وتقوم بأعمالها بكل جد ونشاط, فهي لم تغفل التعبير من خلال لوحتين عن أمومة العذراء مريم للسيد المسيح, في لوحة يمكننا أن نطلق عليها ثيئوتوكوس أو والدة الإله وتميزت هذه اللوحة بوجود العذراء علي يمين الطفل يسوع في إشارة ضمنية للمعني المسيحي قامت الملكة عن يمين الملك وهو ما يوجد في جميع اللوحات القبطية الأرثوذكسية, كما أن الألوان المستخدمة الأزرق والنبيتي والهالات اللامعة خلف الرؤوس تعبر عن ثوب الملوك, والخلفية بألوانها الناصعة من الأخضر واللبني والأزرق تعبر عن حياة الطهارة والنقاوة.













