أستطيع القول الآن, إن ما قام به الشعب التونسي قد تجاوز مرحلة الانتفاضة ودخل مرحلة الثورة الشعبية. إذ هناك فرق بين الانتفاضة والثورة, فالأولي عمل تقوم به الجماهير ضد السلطة الحاكمة للتعبير عن سخطها وغضبها, ولكن قد لا تؤدي إلي أي تغيير, كما حصل لانتفاضة الشعب العراقي عام 1991 التي قمعها حكم البعث الصدامي بمنتهي القسوة المفرطة, حيث قتل نحو 300 ألف شهيد. بينما الثورة هي عملية ناجحة تؤدي إلي تغيير جذري, سياسي واجتماعي واقتصادي. لذلك, وبعد فرار بن علي, وانهيار حكومته, والبدء بتشكيل حكومة الوحدة الوطنية, تشارك فيها أحزاب المعارضة, دون عزل أية جهة لها ثقل شعبي, وغيرها من الإجراءات الواعدة, كلها مؤشرات تؤكد علي أن تونس مقدمة علي تغييرات ثورية. ولذلك فما حصل في تونس الآن هو ثورة شعبية بكل معني الكلمة, ولحسن الحظ, وقف الجيش مع الشعب بدلا من مقاومته, إذ هناك أنباء تفيد أن الجيش لعب دورا مهما في إرغام بن علي علي الرحيل, بمثل ما كان له دور رئيسي في عام 1986 بعزل الرئيس لحبيب بورقيبة, وتولي بن علي السلطة مكانه.
والملاحظ أيضا, أن الحكام العرب في حالة انفصام تام مع الواقع ومع شعوبهم, فرغم بقائهم في السلطة لعشرات السنين, إلا إنهم يعيشون في حالة وهم دون أن يعرفوا مزاجية شعوبهم التي يحكمونها, وعلي سبيل المثال, قرأنا تصريحات للزعيم الليبي, العقيد معمر القذافي, الذي بدلا من أن يرجع ثورة الشعب التونسي إلي حكم الاستبداد والظلم والبطالة والفساد, ألقي اللوم علي الشعب واتهمه بأنه مخدوع, وضحك عليهم موقع ##ويكيليكس## بنشر معلومات كاذبة, وأسماه بـ##كلينكس##.
علي أي حال, لقد نجح الشعب التونسي في شد انتباه العالم أجمع إلي ثورته الشعبية المباركة. كما شاهدنا أيضا من خلال شاشات التلفزة الشعارات الواقعية المشروعة التي رفعتها الجماهير, وهي خالية من شعارات الإسلام السياسي, فمعظمها تركز علي توفير العمل للعاطلين, والحرية للشعب, ومحاربة الفساد, وإقامة نظام ديموقراطي, اختصرت في شعار: ##خبز وحرية وكرامة وطنية##. كما ولم نشاهد بين الجماهير المنتفضة أيا من الإسلاميين من ذوي اللحي الطويلة والثياب القصيرة, والوجوه العابسة, بل كلهم من أناس متحمسين ومن مختلف الأعمار, بينهم عدد كبير من النساء السافرات, وهذا دليل علي غياب الإسلاميين عن الانتفاضة التي تحولت إلي ثورة.
والجدير بالذكر, أن عملا جبارا كهذا, تشترك فيه الملايين من أبناء وبنات الشعب وبعفوية, لا يمكن أن تخل من بعض الأعمال المؤسفة, إذ كما قيل: ##الثورة مهرجان المضطهدين##, وفي هذه الحالة لا بد وأن يكون هناك مجال لمجرمين يحاولون استغلال فرصة الفوضي للتصيد بالماء العكر. ولذلك, وبعد رحيل الدكتاتور بن علي, حصلت أعمال فوضي, ونهب المخازن, والتجاوز علي بيوت بعض المسؤولين, ومؤسسات الدولة التي هي ملك الشعب, وتم حرقها, ومساعدة السجناء علي الهروب, كم تم حرق أحد السجون حيث راح ضحيته أربعون سجينا.
ولكن من الجنب الآخر, وكما جاء في تقرير علي موقع بي بي سي, اليوم, 2011/1/17, أن ##العديد من الشهود نسبوا أعمال النهب والاعتداءات في الأيام الأخيرة, خصوصا في العاصمة وضواحيها, إلي عناصر تنتمي إلي جهاز الأمن التابع لبن علي, بهدف التسبب في فوضي تؤدي إلي عودة الرئيس المخلوع إلي الحكم.## وهذه ظاهرة خطيرة جدا, الهدف منها تشويه سمعة الجماهير الثائرة, والانتقام منها, تماما كما حصل في العراق بعد التحرير عام 2003, حيث قامت فلول البعث بحرق مؤسسات الدولة ونهبها, وعمليات الفرهود التي طالت فيما بعد بيوت الناس, علي أمل العودة, أو علي الأقل لتنغيص معيشة الشعب والعبث بأمنهم وأرواحهم, ليترحم الناس علي عهد صدام حسين ##الآمن##.
ولن يستبعد وجود أياد أجنبية في خلق هذه الفوضي وأعمال العنف, إذ أفاد المصدر نفسه, أن ## أعلن ضابط في الشرطة التونسية للتليفزيون الرسمي أنه تم الأحد اعتقال أربعة ألمان في حوزتهم أسلحة داخل ثلاث سيارات أجرة في تونس العاصمة مع أجانب آخرين لم تحدد جنسياتهم.##
خطر آخر يهدد الانتفاضة, إذ هناك أنباء تفيد عن قيام الإسلاميين بتنظيم صلاة الجماعة في الشوارع… و أن أحد الجوامع أبلغ المصلين والأهالي عدم الخروج من الجامع إن دخل الجيش .. أي أن الجامع يعطي الأوامر .. وإن صح الخبر, فهذه إشارات لنشاطات الإسلاميين في محاولة منهم اختطاف الثورة الشعبية, والهيمنة علي الشارع لاستغلاله لصالحهم…
كما وهناك محاولات لتسويق راشد الغنوشي, رئيس جماعة النهضة (الإسلامية) المقيم في لندن, بحجة ملء الفراغ السياسي الذي تركه رحيل بن علي, وأنه إسلامي معتدل!! الأمر الذي نشك فيه, ولا يوجد فراغ سياسي في تونس كما يدعون, فالشعب التونسي لم يصب بعقم لإنجاب قادة سياسيين أكفاء, إذ كما علق أحد المناضلين التونسيين, أنهم لا يريدون من الغرب إرسال حميد كارزائي آخر, كما عملوا في أفغانستان, حيث تفشي الفساد في أجهزة الدولة.
ولكن الحقيقة أن راشد الغنوشي, كغيره من الإسلاميين الذين لجئوا إلي الغرب, يتحدثون دائما بلغتين متناقضتين, لغة ترضي الغربيين, فيظهرون أنفسهم بأنهم حريصون علي الديموقراطية والحداثة, وحقوق الإنسان, ومساواة المرأة بالرجل في الحقوق…الخ, ولكن ما أن يستلموا السلطة في بلادهم حتي ويتحدثوا بلغة أخري صريحة مع شعوبهم الإسلامية, فيكشفون بها عن وجوههم نواياهم الحقيقية, فيعملون علي الضد من أقوالهم السابقة, وتتحول الديموقراطية إلي بدعة غربية صليبية معادية للإسلام, وأن المرأة ناقصة عقل ودين!!. إذ هكذا صرح الخميني في لقاءاته الصحفية عندما كان مقيما في باريس قبيل انتصار الثورة الإسلامية, حيث أكد في جميع لقاءاته مع الإعلام الغربي, أن النظام الذي ينوي تأسيسه في إيران بعد حكم الشاه, لا يختلف أبدا عن النظام الديمقراطي في فرنسا. ولكن ما أن استقر به المقام, وهيمن علي السلطة, حتي وأعلن النظام الإسلامي, وضرب الديموقراطية عرض الحائط, وحارب الديموقراطيين, وأعلن حكم ولاية الفقيه. ولما سئل فيما بعد, لماذا عمل ضد وعوده السابقة, أجاب: لأن الإسلام في خطر, وأن ##الشعب الإيراني لم يثر للعلف – أي الغذاء – ##!! أي لم يثر من أجل تحسين أوضاعه الاقتصادية!.
لذا, فإذا نجح الإسلاميون في اختطاف الثورة التونسية, كما حصل في إيران, فستكون كارثة ليس علي الشعب التونسي فحسب, بل وعلي جميع الشعوب العربية, الأمر الذي يجعل الشعب التونسي يترحم علي بن علي, كما يترحم الشعب الإيراني علي نظام الشاه الآن.
وخطر ثالث يهدد مستقبل الثورة التونسية, ويدعو إلي خيبة أمل الجماهير, هو عجز الحكومة الديمقراطية المرتقبة عن تلبية جميع طلبات الناس. فتونس, كغيرها من البلاد العربية والعالم الثالث, تعاني من أزمات ومشاكل اقتصادية واجتماعية كبيرة ومزمنة, وهناك تضخم في عدد المتعلمين من الشباب (65% من الشعب دون الثلاثين من العمر), من خريجي المدارس والجامعات. ولمحدودية إمكانيات الدولة في تلبية جميع احتياجات الشعب, وعدم قدرتها علي توفير نصف مليون وظيفة للعاطلين بين عشية وضحاها, فلا بد وأن يصاب الناس بالإحباط وخيبة أمل من ثورتهم, وفي هذه الحالة, وكما يحصل في أي مكان وزمان, سينشغل الناس بهمومهم الجديدة, وينسون مظالم نظام بن علي, فيترحمون عليه.
لذلك نشير علي المسئولين الجدد في الحكومة الديموقراطية المرتقبة, أن لا يبالغوا في تصعيد الآمال أكثر من الممكن (high expectation), وألا يكيلوا للشعب وعودا خيالية كاذبة غير قابلة للتنفيذ, بل يجب عليهم مصارحة الشعب بالحقائق والإمكانيات المحدودة, وبأنهم سيبذلون كل ما في وسعهم لتحسين الأوضاع المعيشية, ووفق إمكانيات البلد, وبالتأكيد يجب وضع محاربة الفساد علي رأس قائمة أولويات الحكومة الديمقراطية.
وأخيرا, نبارك للشعب التونسي الشقيق ثورته العظيمة, مع أطيب الأمنيات له بالنصر المؤزر, والاستقرار السياسي, والازدهار الاقتصادي.













