حرقوا بلادي وقالوا أمان.. قتلوا ولادي في كل زمان.. باطل باطل أمن الدولة.. إللي بيحمي فسادستان.. كان ذلك أحد الهتافات التي أطلقتها بشكل عفوي في ميدان التحرير عقب وصول نبأ اعتقال العديد من الشباب والصحفيين واحتجازهم بأمن الدولة.. وتعرض كثيرين من الزملاء ومنهم الزميل نادر شكري للاحتجاز والضرب بعد أحداث 25 يناير و28 يناير التي مهدت الطريق للثورة.. إنها الداخلية والجهاز المرعب التابع لها جهاز أمن الدولة.. أو علي الأصح الذي يدعي هكذا.. لكنه في واقع الأمر كان أمن النظام الساقط.. وأمن الفسدة.. وأمن المتطرفين وأصحاب القوائم السوداء من كل اتجاه.. كثيرا ما تساءلت عن معني كلمتي أمن الدولة ومن هذا الذي يستطيع أن يضع الخطوط الفاصلة بمنتهي الأمانة والوضوح والنقاء والموضوعية والحياد بين ما يمكننا أن نطلق عليه أمن الدولة.. وبين ما نستخدم تعبير أمن الدولة لخدمته سواء كان مشروعا أو غير مشروع.. حقوقيا أو منتهكا للحقوق.. إنسانيا أم وحشيا.
هذا الجهاز الذي يدعو جميع المستنيرين الآن لتفكيكه بعد أن أصبح مفضوحا وقد منع الخوف الثورة علي سطوته طوال العقود السالفة.. سقطت هيبته مع سقوط هيبة الداخلية يوم 28 يناير.. فراح المعذبون وأصحاب الملفات والذين تم التنكيل بهم سابقا خاصة جماعة الإخوان المسلمين.. راحوا يتعاونون في حرق مقار أمن الدولة في بعض المحافظات.. راحوا يحرقون رمز القهر والعنف والإذلال.. ويتخلصون من ماضيهم في ملفات تأكلها النيران ربما تنساهم ذاكرة أفراد الجهاز.. ثم وقعت أعين الكثيرين منا علي مستندات من فرع أمن الدولة بدمنهور نجت من الحريق لتكشف بالأسماء عملاء له في العديد من الأماكن بأسماء وأكواد خاصة من ناقلي الأخبار.
تحضرني الآن نماذج ربما يراها البعض غريبة في طرحها لكن المبادئ لا تتجزأ وتبقي الحقوق هي الحقوق لأي مواطن.. حتي المجرمين والمتطرفين يجب عقابهم بالقانون.. وليس بالترهيب ولا بأمن الدولة فالشاب سيد بلال من جماعة الإخوان, والذي ألقي القبض عليه عقب أحداث تفجير كنيسة القديسين بالإسكندرية ليلة رأس السنة.. مات علي أثر التعذيب -في أحد معتقلات أمن الدولة- وتقدم ذووه ببلاغات تفيذ بذلك.. وما سمعنا عن عقوبة.. ولا حياة لمن تنادي.. ثم خرج علينا حبيب العادلي ببيانه الشهير أن مفجر كنيسة الإسكندرية شاب من جيش الإسلام الفلسطيني.. أين حق سيد بلال؟! وهل من حق أمن الدولة القبض علي أي شخص وتعذيبه حتي الموت تحت دعوي أنه مشتبه فيه وتحت دعوي تهدئة المجتمع؟؟ وهل السبيل لأمن الدولة هو قهر المواطنين وتصفيتهم؟
أتستقيم حماية الوطن بقتل المواطنين وتعذيبهم وإذلالهم وكسر نفوسهم بفنون كثيرا ما سمعناها وتناقلناها علي استيحاء؟!.. مثال آخر يحضرني الآن وهو الشاب محمد حجازي المتنصر الذي جاءني منذ بضع سنوات ليروي لي رحلة عذابه داخل معتقلات هذا الجهاز اللعين بعدما أعلن تنصره.. بتطوع من أحد الضباط الذي علي صلة معرفة بعائلته.. فقرر – علي حد قوله – أنه يريبه وشاب آخر فعلوا معه نفس الشئ جاءني منذ أسابيع قليلة قبل أحداث الثورة.. وغيرهم من الأصدقاء الذين أعرفهم جيدا اسما اسما وخضعوا بسبب آرائهم السياسية المعارضة للنظام لأبشع أنواع التعذيب.. ثم خرجوا من مقار أمن الدولة إلي السجون ومنها إلي منظمات حقوق الإنسان مواصلين نضالهم..
إنه جهاز قهر الدولة.. جهاز ظلم الدولة.. جهاز حرق الدولة.. فأي أمن هذا الذي يعصب العينين لمدة 12 يوما كما فعل مع وائل غنيم الناشط في ثورة 25 يناير.. فالأمن القائم علي التعذيب والحجرات المظلمة.. والتنكيل بالناس.. أبدا لم يكن أمنا إنه إحراقا للوطن فالوطن هو مجموع المواطنين.. فإن كان أمن الدولة يفعل هكذا بأبنائنا حتي وإن أخطأوا.. وبأسرهم التي تتمزق حينما يختفي ابن أو ابنة ولا يتم إخطارهم بمكانه فتحترق قلوبهم.. ثم نفاجأ بأن هذا من دواعي أمن الدولة.. ولا تقف الأمور عند هذا الحد بل يمتد إلي منع الجمعيات والمؤسسات العاملة في مجال حقوق الإنسان للدفاع عن هؤلاء.. بل ومنعها من العمل ووضع التصريح بإنشاء مراكز وجمعيات جديدة رهنا لموافقة أمن الدولة الذي هو رهن بموافقة النظام ورضاه عن أناس بأعينهم من عدم رضاه فمن أين لنا الحرية؟
الجميع يعلم كل ما سبق ويطالبون بتفكيك هذا الجهاز.. ولكن هل يسمع لهم أحد؟ فالمجلس الأعلي للقوات المسلحة في تصريحاته عبر وسائل الإعلام الأسبوع الماضي أكد أنه لإلغاء جهاز أمن الدولة لابد من القيام بإجراء دراسة لذلك وهذا من اختصاص وزارة الداخلية التابع لها الجهاز, وأن ذلك ليس من اختصاص القوات المسلحة, ولكن حتي أن يتم التفكيك أين سيذهب القادة الذي تربوا في حضن النظام واعتادوا القهر والإذلال والتعذيب والتسيد؟ هل يمكن فعلا أن تعاد صياغة ذهنيتهم مرة أخري؟ هل يمكن الاستفادة بهم بعيدا عما تشربوا به تجاه كل من يقع تحت سطوتهم؟ خاصة بعدما أعلن المجلس في تصريح جديد أنه صار جهازا بلا صلاحيات ولا أعلم أي التصريحين ساريا الآن الأول أم الثاني؟
لا أعتقد فتاريخ هذا الجهاز يغني عن سيرته إن بدت في آفاق المستقبل إذ -حسب موسوعة الويكبيديا الحرة- يرجع تاريخ جهاز أمن الدولة إلي عام 1913 حيث تم إنشاؤه في ظل الاحتلال الإنجليزي لمصر, وكان آنذاك جهازا للأمن السياسي, لتتبع الوطنيين والقضاء علي مقاومتهم للاحتلال, سمي قسم المخصوص, ويعد أقدم جهاز من نوعه في الشرق الأوسط واستعان الإنجليز في إنشائه ببعض ضباط البوليس المصري, وتولي إدارته لأول مرة اللواء سليم زكي حكمدار القاهرة, الذي كان مقربا من المحتل. وبعد توقيع معاهدة 1936 تشكلت إدارتان للقلم السياسي, واحد للقاهرة والأخري للإسكندرية, بالإضافة إلي قسم مخصوص يتبع السراي مباشرة, ويرأسه قائد البوليس الملكي, ولم يكن لوزارة الداخلية أية ولاية علي هذا القسم, حيث كان قائده يتلقي أوامره مباشرة من الملك.
الملك هو الملك
وعلي الرغم من التغيرات الجذرية العميقة التي قامت بها ثورة 23 يوليو في شتي مناحي الحياة المصرية, إلا أن كثيرا من آليات عمل القلم المخصوص ظلت مستمرة, واعتنقها الجهاز النظير الذي أقامته حكومة الثورة في أغسطس 1952 تحت اسم المباحث العامة, ثم أعاد أنور السادات بعد انفراده بالحكم تسميته بـمباحث أمن الدولة, ثم تغيرت لافتته إلي قطاع مباحث أمن الدولة, وأخيرا سمي جهاز أمن الدولة. ظلت وظيفة ومهام رجل أمن الدولة من دون تغيير يذكر في كل العصور واستمرت آليات عمله من دون تغيير يذكر, اللهم إلا إضافة المزيد من الصلاحيات والسلطات والتغول علي كل مؤسسات الدولة, انتقاصا من حقوق المواطنين وانتهاكا لحرياتهم الأساسية. وفي كل مرة كان يجري تغيير اسم جهاز القمع السياسي لمحاولة غسل سمعته السيئة, غير أنه في كل مرة ظل وارثا أمينا لفظائع وجرائم سلفه, حيث تنتقل إليه الملفات المتعلقة بالمعارضين وتصنيفاتهم, ليعتنق الكثير مما حوته هذه الملفات من آراء وتقارير وتقييمات ويسير علي هديها وبالأحري ضلالها. والمقطوع به في الممارسة العملية, أن كافة أجهزة وقطاعات الشرطة تخضع لهيمنة أمن الدولة, وتقوم علي خدمة سياساته وتوجيهاته. وصار تقليدا معتمدا في مصر أن قيادات أمن الدولة عندما تنهي عملها اللاإنساني بجهاز أمن الدولة تنتقل لتولي مناصب سياسية مهمة كوزراء ومحافظين ورؤساء هيئات ومصالح حكومية. فقد تولي وزارة الداخلية من أبناء جهاز أمن الدولة اللواء عبدالعظيم فهمي, وممدوح سالم (وزيرا للداخلية ثم رئيسا للوزراء) وسيد فهمي, وحسن أبو باشا, وأحمد رشدي, وحبيب العادلي ورئيس الجهاز الحالي هو اللواء حسن عبدالرحمن.
أنشئ الجهاز بهدف حماية الأمن المصري, ومحاربة الإرهاب والتطرف وكل ما يهدد الأمن المصري. لكن هناك من يقول بإن الجهاز يعمل علي إضعاف المعارضة السياسية بكل أشكالها, وحماية النظام السياسي القائم. كما أنه يمتلك الكثير من الصلاحيات. كما أن العاملين في جهاز مباحث أمن الدولة يرشح بعضهم للمناصب الأمنية في مصر كرئاسة وزارة الداخلية بالإضافة إلي أن ضباط مباحث أمن الدولة يتمتعون بمميزات مادية ومعنوية عن غيرهم من ضباط الشرطة.
العديد من المعتقلين السابقين من قبل جهاز أمن الدولة أدلوا بحدوث تجاوزات شديدة بحقهم, من إهانات وضرب, تعذيب باستخدام الكهرباء والصعق في جميع أنحاء الجسد وخصوصا المناطق الحساسة, وتعرض البعض للضغط للاعتراف بجرائم لم يرتكبوها.
البوابة السوداء
ولنا في كتاب أحمد رائف معتقل سياسي سابق شهادة.. الكتاب اسمه البوابة السوداء يذكر فيه كيف كان يعذب هو ومن اعتقل معه من نشطاء الإخوان المسلمين.. وذكر عدة أساليب وصفها بالوحشية تستخدم لتعذيب السجناء.. وذكر كيف كان يقتل السجناء ويدفنون في صحراء مدينة نصر إبان حكم عبدالناصر ويكتب بجانب اسمه في الدفاتر هارب.
كذلك ذكر أبو عمر المصري في مذكراته أنه تعرض للتعذيب داخل مقر أمن الدولة بمدينة نصر مقال في أصوات عالمية عن مقر مباحث أمن الدولة مكث أبو عمر لشهور داخل زنزانته التي كما وصفها:
لا تتعدي مساحتها 2م طول * 1.25م عرض, ليس بها فتحات تهوية إطلاقا باستثناء شفاط هواء, يعمل ليلا ونهارا, وصوت موتور الشفاط أشد من صوت موتور الدبابة للجالس داخلها, والزنزانة تحت الأرض.
ومن أشكال التعذيب التي تعرض لها أبو عمر علي يد أعضاء جهاز أمن الدولة كما جاءت في مذكراته: التعليق كالذبيحة, الرأس لأسفل والقدمان لأعلي معلقتان في حبل, ويبدأ الصعق بالعصي الكهربائية في كل جسدي وبخاصة أعضائي التناسلية (الخصيتين – الثديين), أو بربط سلك في جسدي يتم توصيله بجهاز كهربائي وصعق الجسد, والضرب بالعصي وأسلاك الكهرباء.
كل أشكال الصلب.. فرد الذراع الأيمن وربطه في باب حديدي كبير (مشبك) أو علي تصميم خشبي يعرف (بالعروسة), وكذلك الحال مع الذراع الأيسر, وربط القدمين مع فتحهما بشدة وإبعادهما عن بعضهما, أو ربط اليدين مقيدتين من الخلف في باب حديدي, أو ربطهما مقيدتين لأعلي, ثم الصعق بالصدمات الكهربائية والضرب بالعصي وأسلاك الكهرباء.
أبو عمر كان طالبا في منتصف الثمانينيات بكلية الحقوق جامعة الإسكندرية, اعتقل لأول مرة لمدة 6 أشهر بعد إلقائه خطبة جمعة بأحد المساجد, حيث تم القبض عليه فور خروجه من المسجد, وطلبت مباحث أمن الدولة آنذاك منه العمل مرشدا لحسابها ضد قيادات الحركات والجماعات الإسلامية, وكان ذلك أول طلب تجنيد يتلقاه من جهاز أمني, ويؤكد أنه رفض وقرر بعدها -أي بعد الخروج من المعتقل- الرحيل عن مصر نهائيا. وسافر إلي الأردن وإلي ألبانيا وإلي ميلانو وإلي باكستان والتقي بقيادات الجماعات التنظيمية.. أكد كثيرا أنه لم يكن ينتمي لأي منها بينما الأمن لم يتركه بسبب رفضه التجنيد. وتم القبض عليه عدة مرات..
علي أي الأحوال وأيا كان انتماء أبو عمر لكنه خرج من معتقلات أمن الدولة إلي معتقلات الغربة.. بما تحمله من تيارات ظل النظام يشجبها ويحذر من الانخراط فيها.. ويدعو للتكاتف لمواجهتها.. فمن دفع أبو عمر وغيره إلي الارتماء في أحضان الغربة الجغرافية أو الغربة المواطنية أو الغربة الفكرية؟ ألم يكن التعذيب الوحشي الذي لاقوه علي أيدي إخوانهم في الوطن في معتقلات أمن الدولة.. ألم أقل لكم إنه حرق الدولة؟! إنهم يحرقون مصر ويدعون حمايتها فيفتحون الأبواب لكل مقهور معذب للانتقام منهم في الوطن إن استطاع لأنهم مثلوا بالنسبة له حماية أمن الدول.. وعلي أي الأحوال أيضا لم يكن استشهادي بنماذج من المفسدين من جماعة الإخوان المسلمين إقرارا بفكره لكنه إقرار بالحق في الاختلاف بدون تنكيل بالمختلفين. وكثير من الأمثلة التي أتمني ألا أكون أحدها بعد نشر هذه السطور.. علي اعتبار أننا بعد ثورة 25 يناير قد عبرنا لمرحلة جديدة من حرق أبناء الدولة لبناء الوطن والدولة.














