أنا تعبت, خلاص مش قادرة أتحمل…النهاردة بالذات حاسة إني مخنوقة أوي, أكتر من مرة فكرت في الانتحار أنا عايشة ليه, علشان أبقي لوحدي أنا علي طول لوحدي هكذا بدأت ر. ي.ف كلامها معي ثم بدأت تبكي بكاء حارا, تسقط دموعها علي وجنتيها فتبتلعها بين شفاهها.. إنها فتاة في السابعة عشر من عمرها يوم التقيتها كانت تنتظر نتيجة الثانوية العامة لتحدد مصيرها, ظلت تبكي قرابة الساعتين دون توقف, وكلما سقطت دموعها كلما ارتج كيانها وزادت انكسارا وتحرقا بدا جليا مع بكائها. طلبت منها أن تهدأ حتي أستطيع فهم مشكلتها, وبعد عناء بدأت تتمتم بعبارات متلاحقة غير مرتبطة ببعضها البعض وتسرد قصتها قائلة: ماما عصبية جدا, دايما بتزعق عايزاني أبقي نسخة من أختي الدكتورة, أنا حاولت بس ما قدرتش أنا مش قادرة أكون غير نفسي, أنا خوافة وأختي قلبها جامد, بس أنا كده.. أعمل إيه, أنا تعبانة.. ماما بتميز أختي عني في كل حاجة, بتحكي معاها وأنا لأ, هي بتخرج وأنا لأ, مش قادرة ألاقي سبب. استغرقت وقتا طويلا لترتب أفكارها ثم بدأت فتاة السابعة عشر تسترسل من جديد: عندما كنت في الصف الأول الإعدادي وقبل امتحان مادة اللغة العربية سرب المدرس إجابات الأسئلة إلي تلاميذه في الدرس الخصوصي, وكنت واحدة منهم, ويوم الامتحان تم كشف الأمر وألغي امتحاننا وتم التحقيق مع المدرس ومعنا, ورغم أن الأمر مر بسلام, إلا أنه أثر في عقلي الباطن فأصابني بخوف مرضي من اجتياز أي امتحان, وأصبحت مأساتي ليالي الامتحانات. إذ أنني أمر فيها بأسوأ ما يمكن أن يشعر به إنسان, اضطراب شديد نبضات قلب متسارعة عرقي يتصبب بلا ضابط, أتلعثم في الحديث أتخبط في التفكير, أنسي كل ما حصلته طوال العام, ولكن ليست تلك هي مشكلتي ولكنها جزء من السبب. والدتي دائمة المقارنة بيني وبين أختي خاصة فيما يتعلق بالخوف, ووصل الأمر إلي أنها ذات مرة ظلت تضربني بعنف لأني خائفة, بدل ما تطبطب عليا ضربتني, حد يصدق ده!! قربت أكره أختي.. وأمي هي السبب كيف لأم أنجبت من أحشائها ابنتين تحب إحداهما وتعذب الاخري؟ أسهر طوال الليل محملقة في سقف غرفتي الصغيرة أتحدث إلي حوائطها, أتصور أمي أمامي وأسالها: لماذا تعاملينني هكذا أنا أحبك لكن لا أشعر بحبك أشعر أنني لست ضمن أولوياتك, ربما آتي في نهايتها وربما لا آتي فيها من الأصل, أنت تهتمين بأختي الكبري ولا تعيرينني التفاتا تتركينني وحدي طوال اليوم وتقضين وقتك وسط إخوتك الذين ربما في احتياج شديد إليك بسبب ظروفهم الشخصية, لكن من المؤكد أنني في احتياج أشد لأنني في عمر أصغر, وليس لي سواك. أشعر بالدونية, بالعجز والنقص وأنا أري أصدقائي مع أمهاتهم وأنا وحيدة, لماذا تسمحين لذاك الإحساس أن يتسرب إلي نفسي لماذا وأنت أمي أقرب الناس إلي قلبي؟ عادت الفتاة تتمتم مرة أخري بعبارات مرتبكة فقالت: إحساس صعب أوي لما تحسي أن أقرب الناس ليكي بعيد عنك وهو ده إللي بيجرحني.. بعد ما ماتت جدتي حسيت إني بقيت يتيمة كانت حنينة أوي عليا, وحضنها كان دافيء أوي, ماما مش بتحضنني خالص, مافيش حد بيحضنني, ومافيش حد بيسمعني, بابا أحيانا يكون حنين وأحيانا لأ, كل همه إزاي يجمع فلوس فاكر إنه لما يعيشني كويس كده يبقي عمل إللي عليه عمري ما حسيت إني بنت زي كل البنات عمري ما اتدلعت عليهم, أنا مش عايزة فلوس ولا عمارات ولا حاجة أنا عايزة حد يحس بيا أنا شوية, وفي الآخر بيقولوا عني إني غامضة ومش صريحة طب أتكلم مع ماما إزاي وهي بتزعق علي أقل حاجة أنا باخاف أتكلم أنا أدمنت الخوف, وأتكلم مع بابا إزاي وهو مش موجود, وحتي أختي إللي كنت مش باتكلم معاها علشان متضايقة من تمييز ماما ليها عني لو فكرت أكلمها مش هاقدر لأنها أتجوزت وهاجرت, ومافضلش ليا غير الوحدة القاتلة. انفجرت الفتاة في البكاء مرة أخري ثم قالت: أنا مش بلاقي حد أحكي له أو يسمعني أو يحس بيا غير اتنين ربنا وواحد تاني, الواحد التاني ده حد باحبه وبيحبني أوي.. ظللت فترة طويلة أشعر بالنقص لأن جسمي نحيف وقليل وبنيتي ضعيفة ولا يبدو علي شكلي عمري, بل يبدو أنني طفلة صغيرة في الصف الأول الإعدادي, لم أكن أتوقع أن يشعر أحد تجاهي بأي مشاعر إلي أن التقيت مع هذا الشاب طالب في الجامعة وابن إحدي صديقات أمي, يحترمني جدا ويحبني جدا ولا نتحدث إلا عبر الإنترنت. فهو أنيسي الوحيد. المشكلة الحقيقية الآن أن فكرة الانتحار تلح علي ذهني كلما جلست بمفردي. فكرت في اللجوء لطبيب نفسي لكن حتي هذا لا أستطيع فعله لأن أمي لن تتركني أفعلها, ولن تتركني أخرج نهائيا, بالرغم من أن سمعتي جيدة جدا ولم أعتد الخروج ولم يشبهني فعل ما, ولم أدخل في علاقة ما, ماذا أفعل؟ لجأت إلي باب افتح قلبك لأفتح قلبي وأنا أعلم أن لا حل لي. هل من مشورة؟ إلي هذه الفتاة أقول : فتاتي يا ابنة ربيع العمر, لم أجد عنوانا لرسالتك سوي يأس الربيع بعد أن شعرت كم أنت صغيرة علي مشاعر اليأس التي تجتاحك,وكم أنت في احتياج لمن ينعش الأزهار الجميلة داخلك بالدفء والحنان والود والثقة, لكن صدقيني أنت في وضع أكثر رحمة من كثيرات في مثل سنك, فلو اطلعتي علي مشكلات إحداهن لعلمتي أنك في نعمة لابد أن تحمدي الله عليها, ورغم تقصير والدتك وخطأها تجاهك إلا أن كثيرات في مثل ظروفك ولم يفكرن في الانتحار,أعلم تماما أن الوحدة قاتلة لكنها أبدا لم تكن مبررا لليأس أو مدعاة لفقدان الثقة في وجود الله في حياتنا, في البداية انتابني القلق عليك لكن عندما رويتي لي تفاصيل قصتك شعرت أنك مازلت تبغين التواصل مع والدتك وهذا في حد ذاته شئ إيجابي, مشاعرك تجاه هذا الشاب رغم أن الوقت ليس بمناسب في مثل سنك لخوض تجارب عاطفية لكن تلك المشاعر أيضا مؤشر إيجابي علي أنك قد تتمكنين من مواجهة الأزمة. أما عن فكرة الانتحار في حد ذاتها فأعتقد أنه من السذاجة أن أحدثك عن أنها فكرة بعيدة عن عالم الإيمان بل ومؤدية لحياة أبدية في الجحيم, وأقول من السذاجة لأنك تعلمين هذا ولا تحتاجين للتأكيد عليه, ولكن هل كلما صادفتك مشكلة ستراودك فكرة الانتحار, الحياة طويلة أمامك والعثرات فيها كثيرة, عليك بالقوة, وربما تكون والدتك محقة في خوفها عليك لأنك ضعيفة البنية الجسدية والنفسية أيضا, ربما أخطأت في الأسلوب لكن في النهاية هي والدتك ومن المؤكد أنها تحبك وتخاف عليك, ضعي هذه المعلومة نصب عينيك ولا شك فيها, بل أقول سامحي والدتك إذا أهملت في علاقتها بك. سامحيها فأنت لا تعلمين كم تتمزق الأم عندما تجد نفسها عاجزة أن تغير بابنتها ضعفا مثل الإحساس بالخوف الذي ينتابك مثلا. سامحيها وحاولي التقرب إليها فالواضح أن المشكلة تكمن في علاقتك بوالدتك,ويأتي والدك علي الهامش لذلك فلنركز عليها, حاولي التقرب إليها, جربي الحديث معها في أي شئ حتي لو كان مشكلات إخوتها, حاولي مساعدتها في أعمال المنزل في أي طلب تحتاجه بدون أن تطلبه منك, أجعليها تشعر بالوجود الإيجابي لك في حياتها دون أن تبادر هي بالطلب, أعتقد أنها سوف تلبي المبادرة, أعلم أن ما أقترحه عليك قد يصعب تحقيقه عمليا من المرة الأولي وربما تجدين مقاومة منها, لكن فلتحاولي لأن الأمر يستحق المحاولة وسوف نكتشف مع الوقت النتيجة, لأننا لن نستطيع تغيير سلوك الناس تجاهنا فجأة حتي لو كانوا أقرب الأقربين لنا, بينما قد نتمكن من تغيير سلوكياتنا التي تجبر الآخرين علي التغيير تجاهنا. حاولي اكتشاف نقاط القوة في شخصيتك وإيجاد المواهب التي لم تكتشفينها بعد حتي تتمكني من إشباع الاحتياج بالأهمية والقيمة, فالله منح كلا منا موهبة عليه التنقيب عنها وتنميتها وخدمة من حوله بها ربما حينها تشعرين بعدم العجز الذي ينتابك, أما عن الطبيب النفسي فأعتقد أنك تحتاجين لمشورته عندما تسنح الفرصة فالطبيب الذي لجأت إليه لاستشارته في حالتك قال إنها ليست مريضة لكنها تحتاج التحدث وجها لوجه,لم يتمكن من وضع مشورة قاطعة إلا بعد التحدث إليك مباشرة, وسوف أوفر هذا في أقرب فرصة. أما عن الشاب الذي ترتاحين اليه, فلم تسترسلي في الحديث عنه بما يكفي حتي أتمكن من الحكم علي الأمور لكن دعيني أقول لك إن علينا إحلال وتبديل الوضع بما يناسب ظروفنا, فعندما نبدل حب الأم وحنانها بحب الله وحب الأصدقاء أو حتي حب لشريك الحياة المنتظر يجب أن نعلم من وكيف ومتي نحب حتي لا نتسبب في مشكلة أكبر لذاتنا أو لمن حولنا, والحب الحقيقي لا يمكن أن يتواصل عبر آلة الكمبيوتر لكن ما تفعلينه قضاء علي الوحدة أو قتل للوقت لأنك تستمتعين أن هناك دائما من يسمعك بإنصات وهذا ما تفتقدينه في بيت أسرتك. نحن علي تواصل بعد النتيجة وعلي تواصل بعد الحديث مع الطبيب النفسي وبعد بدء محاولات مد الجسور مع والدتك. وأنا علي ثقة أن والدتك لن تكون سببا في انتحارك لسبب بسيط وهو أنك تحبينها وتحتاجين إليها.













