د.نبيل حلمي:توجد إجراءات معقدة وطويلة لمعاقبة الموظف الفاسد
د.حمدي عبد العظيم:أساليب الرقابة غير فعالة والفساد له آثار سلبية علي الاقتصاد
د.هدي زكريا:المحسوبية والفساد الأخلاقي ضد الصعود والترقي الاجتماعي
مجدي عبد الحميد:المجالس المحلية والصحة والتعليم من أكثر الجهات فسادا
سعيد عبد الحافظ:نعالج الأعراض دون تشخيص مرض الفساد
بثينة كامل:كل مواطن يقع عليه دور في مكافحة الفساد
لماذا يتزايد الفساد؟
مصر أكثر فسادا هذه النتيجة توصلت إليها تقارير المنظمات الدولية والمحلية التي صدرت مؤخرا, وتؤكد جميعها أن ترتيب مصر في قائمة الدول المكافحة للفساد تراجع!!وإن دفع المصريين رشاوي لإنهاء معاملاتهم أصبح أمرا عاديا…ذكرت منظمة الشفافية الدولية في دراسة لها صدرت في نهاية شهر مارس الماضي بعنواننظام النزاهة الوطني في مصر2009 إن اللوائح غير كافية في مجال مكافحة الفساد في مصر بسبب تضارب المصالح, والتدخل السياسي في عمل الهيئات المكلفة بمكافحة الفساد, وعدم تطبيق آليات مساءلة السلطة التنفيذية في البرلمان, إضافة إلي عدم وجود قانون محدد لمحاسبة الوزراء, وصعوبة الوصول إلي المعلومات, وتضارب المصالح بين أعضاء البرلمان من الشخصيات البارزة في مجتمع الأعمال, وعدم وجود آليات لمراقبة مخصصات الموازنة, ووصفت الدراسة أداء القطاع العام بأنه يعتريه الفساد, كما أن لوائحة ضعيفة ومليئة بالثغرات, مشيرة إلي أن القوانين التي تحكم عمليات شراء الملكيات العامة تمثل ملاذا محتملا للفاسدين كما لفتت دراسة المنظمة النظر إلي أهمية الدور الذي يقوم به الجهاز المركزي للمحاسبات في مراقبة السلطة التنفيذية, والهيئات العامة, لكن نقطة ضعفه أنه لا يملك القدرة أو السلطة لمراقبة تنفيذ توصياته.
فساد يومي
حول الفساد الموثق دوليا ومحليا وتراجع مصر علي قائمة مقياس الدول المكافحة للفساد توجهنا لبعض أصحاب الفكر والقانون لاستطلاع آرائهم فقالوا:
في البداية توجهنا للدكتور نبيل حلمي عميد كلية الحقوق بجامعة الزقازيق سابقا وعضو المجلس القومي لحقوق الإنسان قال: لاشك أن الفساد يتفشي في المصالح والقطاعات الحكومية وهذا لا يعني أنه لا يوجد فساد في القطاع الخاص ولكن ما يعاني منه الشارع المصري هو الفساد اليومي, وهذا يرجع إلي عدة نقاط من أهمها تدني الرواتب والأجور للعاملين في القطاع الحكومي, وهذا لابد من معالجته فورا بحيث توضع لوائح للأجور مناسبة للعمل الذي يقوم به موظف الحكومة.
وأضاف حول التشريعات الحالية:لابد من تعديل القانون بحيث يسمح لمدير العمل في القطاع الحكومي أن يقرر عقوبة الفصل فورا لأي موظف يثبت إفساده وتلقيه رشاوي أو مقابل لإنجاز العمل الذي يقوم به, فحاليا توجد إجراءات معقدة وطويلة لمعاقبة الموظف الفاسد مما يحرم المجتمع من محاسبته قانونيا.أيضا لابد من زيادة الرقابة الدورية علي الموظفين, وتطوير وتدريب موظفي الحكومة خاصة الشباب.وفي هذا السياق يجب الإشادة بمسألتين بدأ العمل فيهما…الأولي وقف التعيينات في القطاعات الحكومية إلا من خلال عقود مؤقتة فيسهل إنهاء العقود في حالة كشف الفساد.والمسألة الثانية هي التوسع في استخدام الإنترنت لأداء الخدمات التي تقدمها الحكومة مع عدم لقاء مقدم الخدمة مع الجمهور مثل الحصول علي رخص القيادة.
وشهادات الميلاد وغيرها مما تقدمه الإدارات الحكومية ويتم تنفيذها من خلال الإنترنت واستخدام التكنولوجيا الحديثة, خاصة أننا الآن بدأنا في استخدام التوقيع الإلكتروني مما يقلل من تردد المواطنين علي مقدمي الخدمات بالجهات والهيئات الحكومية أما بالنسبة للقطاع الخاص فقد يكون هناك فساد نتيجة للمنافسة الشديدة سواء بطريقة مباشرة أو بطريقة غير مباشرة من خلال وسطاء, وفي هذه الحالة يمكن اكتشاف الفساد بسهولة ومعاقبة من يرتكبه. فالمسألة في المقام الأول تتعلق بوجود عقاب للمخطئ ومن يضر بمصلحة العمل, وهو مالا يوجد لدينا.
أساليب رقابة غير فعالة
حول الآثار الاقتصادية الناتجة عن تفشي الفساد قال الدكتور حمدي عبد العظيم أستاذ الاقتصاد والرئيس الأسبق لأكاديمية السادات:تزايدت ظاهرة الفساد جراء تراخي مكافحته, مما أدي إلي تراجع ترتيب مصر في قائمة الدول التي تحارب الفساد. ويرجع ذلك إلي أن أجهزة الرقابة نفسها لا تؤدي دورها بصفة مستمرة ولكن علي فترات متباعدة, كما أن أساليب الرقابة غير فعالة حيث تعتمد علي وصول بلاغات إلي جهات الرقابة, وبعد ذلك تبدأ في التحرك, فهي لا تكشف الفساد أو تسعي لذلك من تلقاء ذاتها بل تنتظر حدوث الكارثة. ومن ناحية أخري فإن الفترة الأخيرة شهدت زيادة في الغلاء وضعفا في الأجور خاصة بالنسبة للموظفين في المحليات والحكومة, وأصبح الموظف في هذه الحالة يلجأ للرشاوي بأشكالها المختلفة. وهناك أيضا موظفون يتقاضون أجورا مرتفعة وفي الوقت ذاته يرتشون, فهي مسألة نسبية, فالموظف الصغير يأخذ رشاوي صغيرة والعكس أيضا صحيح.
وفي معرض تقديمه لبعض النماذج الصارخة التي أثرت علي الاقتصاد المصري قال د.عبد العظيم:الفساد له آثار سلبية علي الاقتصاد, لأن الناس تتربح بمخالفة القوانين,مثل من يتعدي علي أملاك الدولة ويجد من يسانده في ذلك ويقوم بتزوير الأوراق الرسمية, فهذا اعتداء علي المال العام يؤثر بالطبع علي الاقتصاد, كذلك لو حصل شخص علي قرض من بنك دون ضمانات وهرب خارج مصر. وقد يترتب علي الفساد إصابة قطاع كبير من المواطنين بالأمراض المزمنة والمستعصية, فمثلا السلع الغذائية الفاسدة التي تضر بالصحة العامة للمواطنين, وبالتالي تقل كفاءتهم في العمل وتنخفض الإنتاجية, وفي الوقت ذاته تتزايد تكاليف العلاج التي تتحملها الدولة.أيضا من يحصل علي مبالغ مالية ضخمة بالفساد والرشاوي دون أن يبذل مجهودا وبالتالي تزيد قدرته الشرائية سواء في الأراضي أو العقارات وهنا ترتفع الأسعار بشكل ملحوظ لزيادة الطلب عليها من قبل المرتشين وبالتالي الفساد يؤدي إلي التضخم وزيادة الأسعار, وهذا يضر بمحدودي الدخل ويجعلهم في معاناة شديدة فالفساد يزيد من الفقر والأوبئة والأمراض.
هادم للمجتمع
قالت د.هدي زكريا أستاذة علم الاجتماع السياسي بجامعة الزفازيق: ينتشر الفساد في مختلف دول العالم,فهناك فساد في معظم المجتمعات الإنسانية بدرجات متفاوتة. لكن المزعج في الموضوع أن الفساد يتسبب في ضرر للمجتمع ويدخل ضمن القوي الهادمة…فعلي سبيل المثال تدخل الواسطة والمحسوبية في إطار الفساد وهما ضد الصعود والترقي الاجتماعي,فنحن نأخذ في الوظائف مثلا من يهدم بدلا ممن يبني. وبذلك سلم الكفاءة ينقلب وضعه فبدلا من أن يكون في قمة المجتمع المواطنون الأكثر كفاءة تصبح هناك اختيارات قائمة علي درجة القرابة والدين.وهذا الأمر ضد تطور المجتمع إضافة إلي أن غياب الفرص العادلة سيزيد من هوة التفاوت الاجتماعي.
أضافت د.هدي:تسرب إلينا أيضا فساد أخلاقي, فالرشاوي المتداولة والمقبولة أصبحت عرفا ويطلق عليه أسماء أخري أحيانا.ولكنه صار أحد مظاهر الفساد المتداولة مجتمعيا وهذه كارثة, فنحن نلتمس للموظفين العذر, وينتشر الفساد من الرشاوي الصغيرة إلي دفن النفايات الذرية, الناس أصبحت تسأل عما حققه الشخص من مال وجاه دون أن تسأل من أين له هذا؟!!!
فمعايير الفساد التي كانت تزعج الناس سابقا وكنا نساند الإنجاز ونكافئ الفرص والعدالة في الوقت الراهن انزاحت وتبدلت شيئا فشيئا, فالفساد حل محل القيم النبيلة.
وعن أسباب الفساد وأنها ليست أخلاقية فقط أوضحت د.هدي زكريا: هناك تغييرات حدثت بداية من المؤسسات التعليمية والمجتمعية حتي أصبحت من القوة والتوحش, وأصبح الشرفاء كثيرا ما يمارس عليهم الكثير من الضغوط من منظومة الفساد حولهم خاصة أن تفشي الفساد موجود من أسفل المجتمع لأعلاه, فهناك أيضا أطباء يتم رشوتهم ورؤساء تحرير وقضاة ومسئولين كبار في الدولة والمشكلة أن عقاب الشرفاء أصبح قاسيا, فقد توفي مهندس منذ عامين وكان يعمل في أحد الأحياء وكشف قضية فساد, وبعد ذلك مباشرة تم نقله للعمل في أرشيف المحافظة!!وهذا المهندس كان قد بني مجموعة من المباني المعروفة للدولة ويتم الإشادة بها.
الفقر برئ
قال مجدي عبد الحميد رئيس جمعية النهوض بالمشاركة المجتمعية في تقرير يرصد الفساد في مصر عام2008: قمنا بإصدار تقارير لرصد الفساد: في مصر عام2008 كما اهتمت الجمعية بظاهرة الفساد نوعياته وأماكن انتشاره. واكتشفنا أن الإدارات المحليةالحكم المحلي-المجالس المحلية- المهندسين في الأحياء من أكثر الجهات التي ينتشر بها فساد, وكذلك وزارتي الصحة والتربية والتعليم.فهناك تمركز للفساد في هذه الأماكن.
ووجدنا علي سبيل المثال أن الفساد غير مرتبط بالفقر والاحتياج خاصة فيما يتعلق بالموظفين الصغار وتلقي الرشاوي لكن هناك موظفين رواتبهم تصل إلي50ألف جنيه شهريا وتم القبض عليهم في قضايا تلقي رشاوي, والأمر مرتبط بمنظومة كاملة للفساد تنميه وتعمقه إلي حد كبير حتي أصبح الفساد ظاهرة اجتماعيةالرشاوي-المحسوبية- استغلال النفوذ في جميع القطاعات الحكومية والخاصة وبالرغم من أنها ليست رشاوي مالية مباشرة إلا أن جميعها أشكال وأنماط من الفساد.
تحليل الظاهرة
عن دور مؤسسات المجتمع المدني قال سعيد عبد الحافظ مدير مؤسسة ملتقي الحوار لحقوق الإنسان:ظاهرة الفساد باتت كالورم السرطاني الذي ضرب كافة القطاعات الحكومية في مصر حتي أصبح لزاما علينا التصدي لتلك الظاهرة بشكل أكثر حزما, وتوجد العديد من المحاولات الجادة للتصدي لهذه الظاهرة والتي نلاحظها من كم القضايا التي يتم كشفها, وهي حالات تم التحقيق في غالبيتها, إلا أننا نود أن نلفت الانتباه إلي أن غالبية الحالات التي تم الكشف عنها والتحقيق فيها كانت الاتهامات توجه للمتهمين المباشرين دون التنقيب والبحث والتحري عن رؤوس الفساد داخل القطاعات المختلفة التي تناولها ودون تحليل أسباب الظاهرة وهو ما سيؤدي حتما إلي الحد منها, بمعني آخر أننا نعالج الأعراض دون أن نقوم بتشخيص المرض ومحاولة القضاء عليه ويجب أن تتضافر جهود كافة منظمات المجتمع المدني فيما بينها من ناحية وفيما بينها وبين القطاعات الحكومية من ناحية أخري للحد من هذه الظاهرة,فيتمثل دور مؤسسات المجتمع المدني في الكشف عن حالات الفساد في القطاعات المختلفة وتوضيح أسبابها وعلي الحكومة المصرية والقطاعات المعنية داخل الجهاز الإداري للدولة أن تقوم ببحث ما تنتجه تلك المؤسسات من أبحاث وتقارير في هذا الشأن.
أشار عبد الحافظ إلي بعض النقاط والإجراءات المهمة لمكافحة الفساد في مجتمعنا منها:إزالة القيود التشريعية والإدارية عن عمل منظمات المجتمع المدني لممارسة دورها في مكافحة الفساد,وكذلك إطلاق الحق في تداول المعلومات وتقديم مبادرات لتشجيع إبلاغ المواطنين عن قضايا الفساد مع توفير الحماية القانونية لهم حال إبلاغهم بدلا من التنكيل بهم بواسطة رؤساءهم في جهات العمل. أما بالنسبة للفساد المتفشي في المحليات فهناك ضرورة لدعم اللامركزية بالمحافظات والسعي للتخلص من العلاقة الفاترة بين الإدارات المحلية والمواطنين والتي أدت إلي عدم تجاوب المواطنين مع خطوات الإصلاح والتحديث في مصر, وللأجهزة الرقابية دور مهم لإجراء تحريات مكثفة حول شاغلي الوظائف ذات الصلة بمصالح المواطنين منعا لتفشي الفساد.
تجربة واعدة
مصريون ضد الفسادحركة اجتماعية مصرية تعمل علي محاربة الفساد وتقديم جوائز مالية سنوية المحارب المصري لأبرز الشخصيات التي قاومت إغراء الفساد, قالت المذيعة التليفزيونية بثينة كامل منسقة الحركة عن هذه التجربة: دورنا فيمصريون ضد الفساد هو تشجيع المواطنين علي محاربة الفساد فقمنا بإنشاء جائزة للمحارب المصري ضد الفساد منذ عدة سنوات وكان الفائزون يتم مكافأتهم بمبلغ خمسة آلاف جنيه,ويتم جمع المبلغ من المواطنين العاديين, فهم يشترون دبابيس مكتوبا عليها ضد الفساد وبذلك يجعلون هذا الشعار يتردد أكثر وأيضا يشاركون في مكافأة من تصدي للفساد. فنحن فيمصريون ضد الفساد أهدافنا الرئيسية تتمثل في تشجيع محاربي الفساد والاستمرار في تكريمهم كل عام من خلال الجائزة…وهناك منظمات للمجتمع المدني ترشح لنا من يفوز بالجائزة ويتم التصويت من خلال موقعنا علي الإنترنتhttp://www.nadafa.org.
أضافت بثينة كامل: مصر موقعة علي الاتفاقية الدولية لمحاربة الفساد ولكنها للأسف لا تلتزم بالعديد من بنود الاتفاقية, ونحن منذ عامين بدأنا في إصدار تقارير في مواجهة التقرير الحكومي, ووجدنا أن أكثر نوعيات القضايا التي بها فساد هي التعدي علي أملاك البسطاء من قبل المستثمرين لإقامة المنتجعات والمنشآت السياحية.
كل مواطن عليه دور في مكافحة الفساد والترويج لمحاربة الفساد,ويجب تشجيع المبادرات الفردية لتفعيل الاتفاقية الدولية لمحاربة الفساد,فعلينا أن نعمل ونحارب الفساد بغض النظر عن النتيجة المباشرة لما نفعله فنحن نعمل لنا ولمستقبل أولادنا.
















