القبطيات.. ذلك المجال الخصب الذي يلهث خلفه الباحثون لاستكشاف خباياه والتنقيب عنه بعد أن جار عليه البعض سواء بالتهميش أو السرقة أو الطمس أحيانا.
اجتمع العديد من علماء القبطيات من دول العالم علي حب الدراسات القبطية من كل نوع – الفن – التاريخ – الموسيقي وغيرها. تجلي هذا الحب في الجهد الدؤوب الذي يبذلونه لتقديم أبحاثهم ودراساتهم مرة كل أربع سنوات لمؤتمر الدراسات القبطية الذي تقيمه الجمعية الدولية للدراسات القبطية, ذلك المؤتمر الذي عقد لأول مرة في مصر عام 1976 ثم غاب عنها لمدة 32 عاما ليعود إليها هذا العام مرة أخري تحتضن إياه الكنيسة الأرثوذكسية.
في حفل تميز بالطابع القبطي ضم العلماء والمشاركين كان افتتاح المؤتمر بحضور نيافة الأنبا بيشوي, سكرتير المجمع المقدس وأسقف دمياط والبراري, ود. فوزي إسطفانوس, رئيس جمعية سانت مارك للتاريخ القبطي, والكاتب جمال الغيطاني.
أشار الأنبا بيشوي في كلمته إلي الدراسات حول الصليب القبطي وشكله الصحيح موضحا بالصور التي تم توزيعها علي الحضور الشكل الصحيح للصليب والفارق بينه وبين مفتاح الحياة الذي استخدمه الفراعنة للرمز إلي الخصوبة واتحاد الأنثي بالذكر.
وأكد الكاتب جمال الغيطاني أهمية التاريخ القبطي قائلا: التاريخ القبطي لا يخص مجموعة معينة لكنه يهم جميع المصريين, ولا يمكن فهم التاريخ المصري بمراحله المتعددة دون فهم تجلياته ومراحله المختلفة, ومنها التاريخ القبطي, ودون فهم التاريخ القبطي لا يمكن فهم خصوصية الإسلام في مصر, لذلك أقول أنا قبطي وطنا ومسلم دينا.. وجميع المصريين أقباط منهم المسلم ومنهم المسيحي. وطالب الغيطاني بتدريس التاريخ القبطي في جميع مراحل التعليم, فلن تكتمل المعرفة الكاملة لمصر إلا باستيعاب كافة مراحلها, وعندما يعرف المصريون جميع مراحل تاريخهم سيقفون معا لمواجهة رياح التعصب والعنف الواردة من الخارج.
كما طلب الغيطاني بضرورة تبني المؤتمر بترجمة دائرة المعارف القبطية التي حررها الدكتور عزيز سوريال عطية وأن يتم ذلك بالتعاون بين مؤسسة مارمرقس الرسول للتاريخ القبطي مع المشروع القومي للترجمة الذي يرأسه الدكتور جابر عصفور, ومن العار ألا تتم ترجمة هذه الموسوعة للغة العربية حتي الآن..
وعلي مدار الأسبوع الماضي سارت فعاليات المؤتمر في نجاح, وبين ورش العمل قمنا بجولة لمعرفة المزيد فكان اللقاء الأول مع الدكتور فوزي إسطفانوس والمسئول عن المؤتمر فقال:
تأسست الجمعية الدولية للدراسات القبطية عام 1976 في القاهرة, وافتتح مؤتمرها الأول آنذاك قداسة البابا شنودة الثالث, وتضم الجمعية 400 عضو من أكثر من 25 دولة, جميعهم متخصصون في دراسة القبطيات منهم ثمانية أعضاء مصريين من المسيحيين والمسلمين.
أما نشاط الجمعية فلا يمت بصلة للدين أو السياسة بل يركز بصورة أساسية علي الجانب العلمي والفن القبطي مثل الاهتمام بالمخطوطات والحفريات والفن والموسيقي القبطية, يقدم الباحثون في تلك التخصصات أوراقهم وأبحاثهم للدراسة والمناقشة مرة كل أربع سنوات خلال المؤتمر العلمي الذي تعقده الجمعية بشكل دوري يتم تحويله من بعض التبرعات والاشتراكات وحاليا من دعم مؤسسة القديس مرقس لدراسات التاريخ.
يستكمل د. فوزي حديثه حول الجمعيات المنظمة للمؤتمر قائلا: شاركت مؤسسة القديس مرقس لدراسات التاريخ القبطي في رعاية هذا المؤتمر والتي أشرف برئاستها – مؤسسة تابعة للكنيسة الأرثوذكسية تأسست منذ عشر سنوات – تكفلت هذه المؤسسة بدعوة الجمعية الدولية لدراسات القبطيات لعقد مؤتمرها في القاهرة, فمن غير المنطقي أن تدعو أي هيئة لعقد مؤتمر يتحدث عن القبطيات بعيدا عن مصر.
استضافت الكنيسة هذا التجمع العلمي الهائل إذ ساهم فيه 140 باحثا بمعلومات ودراسات من 20 دولة مختلفة, وتمت دعوة عدة جهات معنية منها وزارة التربية والتعليم التي تناضل من أجل دمج التاريخ القبطي في المواد التي يتم تدريسها بالجامعات بعيدا عن تدريسه ضمن التاريخ الروماني والإغريقي, ولكن للأسف لم تلب الوزارة الدعوة. وكذلك الدكتور زاهي حواس, كما دعونا كافة الجامعات المصرية التي حضر مشاركا عنها 45 باحثا مصريا وقدموا أبحاثا بينما لا ينتمون إلا لخمس جامعات فقط من الـ 45, وفرنا لهم سبل الراحة والأوراق وكذلك ستتم طباعة نتائج وأوراق المؤتمر في كتاب يتم نشره بثلاث لغات الألمانية – الفرنسية – الإنجليزية.
في عودة لمؤسسة سانت مارك أشار د. فوزي إلي أنها تعاونت مع الجامعة الأمريكية لتخصيص قسم لدراسة القبطيات بالجامعة وبدأ التعاون لكن سرعان ما انفردت به الجامعة, وهذا شيء جيد أن تهتم جهة بالقبطيات لهذه الدرجة خاصة أن سانت مارك تحتاج لعشرات الملايين من الجنيهات لإعادة كتابة التاريخ القبطي واستقدام العلماء المتخصصين في هذا الجانب.
تزايد الإقبال علي الدراسات القبطية
قال الدكتور رامز بطرس, محاضر بجامعة تورنتو بكندا وسكرتير المؤتمر: أن فاعليات المؤتمر تضم مناقشة 154 ورقة عمل مقدمة من متخصصين وعلماء قبطيات منها 13 تقريرا حول جميع الأبحاث والدراسات العلمية التي نشرت خلال السنوات الثماني الماضية منها الأدب العربي المسيحي, وتكشف للعلماء المجالات, والفروع التي تحتاج إلي اهتمام في الفترة القادمة, وهي بمثابة تقييم للعلماء ومجالات البحث.
تم تقسيم باقي أوراق العمل علي ورش تضم تخصصات متشابهة مثل الآثار القبطية, والفن القبطي, واللغويات, ولأول مرة يخصص المؤتمر ورشة للدراسات القبطية المعاصرة المجتمع القبطي ظواهره الاجتماعية والدينية ودراسة للباحثة فيبي أرمانيوس حول المرأة المصرية وطريقة تقديمها في شرائط وأفلام القديسين. وورقة للباحثة هلين موسي حول الأيقونات التي رسمتها الفنانة مارجريت نخلة.
وحول تقريب اللغة العلمية للمؤتمر لتقديمها لغير المتخصصين, ومدي الاهتمام بنشر الثقافة القبطية في أوساطهم قال الدكتور رامز:
إنها معضلة في كل المجتمعات, فمدي اهتمام الناس بالثقافة القبطية محدود والموضوعات المقدمة في المؤتمر متخصصة ولا تمس القضايا اليومية عندهم, كما أن بعضها غير جذاب, الجمعية المشرفة علي التنظيم لا تهتم بهذه النقطة ولا يهمها النشر لدي القاعدة العريضة الجماهيرية, ولذلك رفضوا تصوير جلسات العمل, توحيد مجهودات أخري بسيطة تحاول أن تقدم الدراسات القبطية بصورة مفهومة لدي العامة, لكن هذا المؤتمر علمي متخصص. وفي هذا السياق يمكن البحث عن طرق أخري لنشر الثقافة القبطية, خاصة لدي الأطفال, لإعداد أجيال تحب التراث المصري كله.
استطرد د. رامز قائلا: أصبحت الدراسات القبطية تحظي باهتمام قطاعات واسعة من الدارسين, وقد ارتفع عدد المصريين المشاركين في هذه المؤتمرات عن الماضي, وهذا بدوره ينعكس علي الأوراق المقدمة, وتوجد مجموعات مهتمة بالدراسات القبطية في بعض الدول الأجنبية منها الجمعية القبطية للناطقين بالفرنسية تنظم مؤتمرا كل عامين, وكذلك مؤسسة الأنبا شنودة رئيس المتوحدين التي أسسها الدكتور هاني تكلا في لوس أنجليوس بأمريكا, وهذا العام نظم الأنبا أنجليوس لقاء لمدة يومين بإنجلترا عن التراث القبطي الماضي – الحاضر – المستقبل بالإضافة إلي بعض الجامعات التي تضم أقساما للدراسات المصرية, والقبطية ومنها جامعة مونستر بألمانيا, وجامعة مونبيليه بفرنسا وهناك ظاهرة جديدة بدأت بتدريس مادة اسمها دراسات قبطية كمدخل أول, بدأها الدكتور جودت جبرة في أمريكا, وأنا في جامعة تورنتو تقدم للطلبة معلومات عن الفن والآثار والمخطوطات والعادات والطقوس الدينية والممارسات الاجتماعية وهي بداية مبشرة لوجود تخصصات للدراسات القبطية في الجامعات.
الكرسي المفقود
دكتور مارك أسوانسون أمريكي الجنسية, أحد منظمي المؤتمر ومشارك أيضا, يعمل أستاذا في الكلية اللوثرية بشيكاغو, انضم عضوا بجمعية الدراسات القبطية منذ ثماني سنوات أشاد بالثراء العلمي الذي يحظي به المؤتمر عاما بعد عام قائلا: هناك تجدد في العلماء والباحثين الصغار ففي كل مرة ينضم عشرات الباحثين الجدد بأفكار جديدة قيمة في كافة المجالات مثل اللغة القبطية, تاريخ مصر, تاريخ الكنيسة, تاريخ الفن, إلخ…., كما اهتمت الجامعات بالمؤتمر ولكنني أري أن بعضها يهتم بالعلوم الطبيعية كالهندسة والطب والعلوم الإنسانية علي حساب الدراسات القبطية.
تأسف د. مارك قائلا: لا يوجد حتي الآن كرسي للدراسات القبطية في معظم الجامعات باستثناء ألمانيا وأستراليا والمشروع الضخم الذي تعده الولايات المتحدة الأمريكية لمنح درجة الماجيستير في الدراسات القبطية للباحثين, دون ذلك لا توجد كراسي لأساتذة أو أقسام في الجامعات علي مستوي العالم, وهذا هو الكرسي المفقود عالميا.
كما أشار د. أسوانسون إلي أن هذا النوع من الدراسات يحتاج مجهود وجدية من الباحث إذ يقارن بين النصوص التي يجدها في المخطوطات بعضها البعض ليصل إلي أقرب نص للنص الأصلي وتخليصها من الأخطاء وتعريف المجتمع بها. موضحا أنه قدم محاضرة حول النصوص القبطية التي لها مقابل باللغة العربية والتي تمت سرقتها منها بلا مقابل لها أو النصوص القبطية المفقودة لكن معروف مقابلها باللغة العربية.















