بعد مرور شهر علي اندلاع ثورة الغضب في مصر, تمت الاستجابة إلي المطلب الأول من مطالب الشعب الرئيسية مع رحيل حسني مبارك. بيد, إن هذا التطور ترك قيادة الدولة في أيدي ##المجلس الأعلي للقوات المسلحة##, وهو الهيئة التي يترأسها في الظاهر وزير دفاع مبارك المشير محمد حسين طنطاوي, وتتألف جزئيا من رؤساء هيئة الأركان المشتركة للقوات العسكرية.
وبعد أن اجتازت القوات المسلحة فترة حساسة بنجاح وسلام حتي الآن, بدأت تحظي بدرجة من ثقة الجمهور يمكن تفهمها. إن هذه الثقة هي الأساس للمطلب الأول لحماية الديموقراطية المصرية ألا وهي: وتيرة حذرة ومتأنية للإصلاح الدستوري والقانوني, يفضي إلي انتخابات جديدة تكون تنافسية وشرعية. وفي الوقت نفسه, لن تكون ثقة المصريين في جيشهم غير مشروطة وغير محددة, وبصورة خاصة إذا انحرف ##المجلس الأعلي للقوات المسلحة## نحو اتخاذ قرارات غامضة قد تعكس مسار مصر الديموقراطي.
الغموض الدستوري
منذ الإطاحة بحسني مبارك, ظهر ##ائتلاف## غير منظم ومتغير في فترة ما بعد الثورة كوسيلة لتوصيل مطالب المحتجين إلي ##المجلس##. وتتألف هذه الكتلة من حركة شباب 6 أبريل وجماعة الإخوان المسلمين والجمعية الوطنية للتغيير بقيادة محمد البرادعي وحزبي المعارضة: الجبهة الديموقراطية والغد, ونشطاء الانترنت الذين كان لهم دور فعال في تقديم الدعم التكتيكي للثورة مثل المدير التسويقي لشركة جوجل وائل غنيم. وقد عبروا معا عن عدد من المطالب, بما فيها تعليق الدستور, وحل المجلسين التشريعيين الوطنيين, وإنهاء قانون الطوارئ, وتعيين حكومة جديدة من التكنوقراط للإشراف علي عملية نقل السلطة.
استجاب ##المجلس## حتي الآن للمطلبين الأولين فقط, وبصورة جزئية عن طريق تعيين لجنة لتعديل الدستور. لكن من غير الواضح كيف اختار ##المجلس## هذه اللجنة أو فيما إذا كان عملها سينتج إطارا لديموقراطية حقيقية أم لا. إن جميع الأعضاء الثمانية المعروفين في اللجنة هم قضاة محترمون, لكن كلهم من الرجال. وعند نقطة ما, أظهر كل من رئيس اللجنة والبرلماني الوحيد السابق فيها, توجههما السياسي الإسلامي بصورة علنية.
وأنيطت باللجنة مبدئيا, مهمة تعديل أو إلغاء ست مواد من الدستور خلال فترة عشرة أيام فقط, وهو موعد انتهي بسرعة في 23 فبراير. وتتعلق هذه المواد أساسا بالانتخابات الرئاسية وحدود فترات الرئاسة والسلطات التشريعية والإشراف القضائي علي الانتخابات. وهناك مادة أخري رئيسية خاضعة للمراجعة أو الحذف وهي المادة 179 التي تمنح الموافقة الدستورية لقانون الطوارئ المصري القمعي الذي طال أمده ويجري العمل به منذ اغتيال الرئيس السابق أنور السادات قبل حوالي ثلاثين عاما.
وحالما يتم تعديل هذا القانون سوف يقدم الدستور إلي استفتاء شعبي خلال ستين يوما, تعقبه إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية في غضون ستة أشهر. لكن في 17 فبراير, أي ما يقرب من منتصف المدة المعلنة لعمل اللجنة, كشف رئيسها أن هناك مواد وقوانين إضافية ربما تخضع هي الأخري للمراجعات – وأن مداولات اللجنة حول هذه الأمور سوف تبقي سرية.
مخاوف انتخابية رغم التقدم
شهدت الأيام القليلة الماضية سلسلة من الإشارات الأكثر تبشيرا من قبل حكام مصر العسكريين الذين يحكمون البلاد خلال الفترة الانتقالية. فوزارة الإعلام الأوريلية – نسبة إلي ما تنبأ به جورج أورويل لصورة الحكومات الاستبدادية – في البلاد قد تم إلغاؤها بسرعة وتم تعيين وزراء الحكومة الجديدة من عدة أحزاب أو جماعات معارضة وإن أسندت إليهم حقائب وزارية صغيرة: فأحدهم من حزب الوفد الليبرالي, وثاني من حزب التجمع, وآخر هو نائب رئيس الوزراء من الجماعة غير الرسمية لجنة الحكماء التي توسطت بين الجيش والمحتجين في ##ميدان التحرير##. وبالإضافة إلي ذلك, تم السماح أخيرا لفصيل سياسي جديد هو حزب الوسط الإسلامي (المعتدل) بالتسجيل بعد أن ظل قابعا في طي النسيان مدة دامت خمسة عشر عاما في ظل نظام مبارك البيروقراطي.
فعلي سبيل المثال, ما يزال يتعين علي ##المجلس## إزالة قانون الطوارئ الذي كان عائقا كبيرا أمام الأحزاب السياسية الليبرالية من خلال حظره للتجمعات السلمية وغيره من الأنشطة. ووفقا لوسائل الإعلام المصرية يعتزم ##المجلس## إلغاء هذا القانون خلال الأشهر الستة المقبلة, ويفترض أن يفعل ذلك بعد إزالة الحماية الدستورية بشأنه, لكن ليس واضحا ما إذا كان سيحدث ذلك قبل الانتخابات الوطنية الجديدة أم بعدها. وبالمثل, ليس من الواضح ما إذا كان قانون الأحزاب السياسية عالي الانتقاء في مصر وما يتصل به من فقرات – سيئة السمعة من حيث قيودها التحكمية علي تسجيل وعمل الأحزاب – سوف يتم تعديله في الوقت المناسب لإعطاء القوي السياسية الليبرالية فرصة حقيقية لكي تنظم نفسها قبل خوض الانتخابات. وفي هذا السيناريو, سيتم تفضيل الفصائل الأكثر تنظيما فقط في انتخابات خاطفة حتي وإن لم تحظ بدعم الأغلبية بين أوساط الجمهور. ومن شأن هذا القيد أن يدمر آفاق المشهد السياسي الأكثر إنصافا ويخون مطالب غالبية المصريين. وإذا يعمل برلمان – يتم انتخابه علي عجل وبصورة غير نزيهة – علي كتابة دستور مصر القادم, الذي ربما لن يخضع لموافقة شعبية في استفتاء, سيتم حينئذ إضفاء طابع مؤسسي علي الخيانة.
أهو دور غير متكافئ لـ الإخوان المسلمين؟
في هذا السياق, يستحق الإخوان المسلمون تمحيصا دقيقا حيث يدعي قادة الإخوان أنهم سوف يكسبون حوالي 30 بالمائة من الأصوات في انتخابات حرة ونزيهة. كما أن استطلاعات الرأي الموثوقة التي أجريت خلال السنتين الماضيتين تعطي بعض الدعم لهذا التقدير, مما يعني أن أغلبية المصريين يرفضون الإخوان المسلمين. وقد أظهر استطلاع مركز ##بيو## في أبريل 2010, أن 61 بالمائة من المصريين كانوا قلقين من التطرف الإسلامي في بلادهم. كما أظهر استطلاع لمؤسسة ##بيختر## في نوفمبر 2009, أن أغلبية كاسحة من المصريين اعتبروا أن مكافحة الفقر أو البطالة أو الفساد – وليس فرض الشريعة أو مطالب إسلامية أخري – تمثل الأولوية الأولي أو الثانية لبلادهم. وبصورة أكثر مباشرة, أظهر استطلاع مايو 2009 أجرته مؤسسة وورلد بابليك أوبينيون.أورغ أن 29 بالمائة فقط من المصريين لديهم رؤية ##إيجابية للغاية## تجاه جماعة الإخوان المسلمين.
ومع ذلك, إذا أجرت مصر انتخابات في وقت مبكر جدا وحرمت الديموقراطيين العلمانيين من فرصة التناسب علي ملعب متساو, فيمكنها بذلك أن تسلم جماعة الإخوان المسلمين نصيبا غير متكافئ – إلي حد كبير – من السلطة. وسيكون الاندفاع بسرعة نحو الانتخابات, أكثر خطورة حتي لو بقيت الأحزاب المعتدلة والعلمانية منقسمة إلي درجة كبيرة – كما تظهر الآن – بحيث تبعثر أصواتها وتفقد صوتها الذي يمثل الأغلبية, قبل أن تحظي أحزاب جديدة بفرصة تثبيت أقدامها.
علاوة علي ذلك, فعلي الرغم من أن بعض التصريحات الأخيرة لجماعة الإخوان المسلمين تظهر صورة من الاعتدال, إلا أنه يبدو أن الجماعة مصممة علي اتباع مواقف إشكالية معينة. فعلي سبيل المثال, عند إعلان الإخوان المسلمين عن عزمهم علي تشكيل حزب الحرية والعدالة صرح كبار مسئولي الجماعة أنه من غير ##المناسب## للمرأة أو غير المسلم أن يترأسا هذا الحزب أو أن يتم انتخاب أحدهما رئيسا. ولذا يجب علي مصر أن تحدد بعناية معايير النظام الانتخابي الجديد. ومن المؤكد تقريبا أن يكون بعض التمثيل التناسبي المتنوع الذي يشجع علي التعددية مفضلا علي النظام الذي يسمح لحزب أقلية أيديولوجية محكم التنظيم, بالحصول علي أغلبية نسبية كبيرة مصطنعة أو حتي علي أغلبية المقاعد في البرلمان.
غياب الشفافية
بشكل عام, إن ميل ##المجلس الأعلي للقوات المسلحة## إلي تقديم تفاصيل قليلة عن المسائل الحساسة يمثل سببا للقلق. فلم يقدم ##المجلس## أية تعهدات لإعادة هيكلة قوات الأمن الداخلية في مصر بصورة جذرية. وبغض النظر عن إجراء مناقشات قليلة حول السماح بتسجيل الناخبين الذين يحملون بطاقات هوية وطنية, لم يعط ##المجلس## دلالة تذكر حول تعديل قوانين مصر الانتخابية, التي حدت بشكل كبير من القاعدة الانتخابية, وفضلت إلي حد كبير النظام ,الحاكم حاليا] وجماعة الإخوان المسلمين فقط. وفي الواقع, نفذ ##المجلس## بعضا من أهم قراراته – بما في ذلك اختيار حكومة انتقالية – بشكل غامض مما أدي إلي قيام انتقادات من قبل المجتمع المدني المصري. كما أن ##حوار## المجلس الأعلي للقوات المسلحة مع مختلف قوي المعارضة كان تحكميا علي أحسن تقدير مما خلق انقسامات بين المعارضة المجزأة بالفعل في البلاد.
لذا فمن الأهمية بمكان أن تقبل الولايات المتحدة الرغبة الجماهيرية المصرية في حماية مبادئ ثورة الشعب, ويشمل ذلك كل من الشفافية والمشاركة في عملية نقل السلطة, فضلا عن تجنب أي اندفاع نحو قيام انتخابات مزورة أخري. كما أن اليقظة واستمرار المشاركة المدنية المكثفة ستكون مطلوبة, للحفاظ من أي انزلاق نحو شكل مختلف من الاستبداد الديني أو العسكري.. أو كلاهما.
السياسة الأمريكية
من جانبها, ينبغي علي واشنطن أن تبتعد عن الأضواء العامة في الوقت الراهن, وأن تبقي مركزة علي الأسلوب الذي تتخذه مصر في هذه الفرصة التاريخية. وتحديدا, يجب علي المصريين أن يقرروا لأنفسهم ما إذا كانوا سيحتفظون أو يخففون أو يتخلون عن الحظر الدستوري الحالي المفروض علي الأحزاب السياسية الدينية. وعلاوة علي ذلك, يجب علي جماعة الإخوان المسلمين أن توضح برنامجها كحزب سياسي. ومن وجهة نظر المصالح الأمريكية فإن معارضة جماعة الإخوان المسلمين الحثيثة للسلام مع إسرائيل هي واضحة وتمثل خطرا. ولذا سيكون من السابق لأوانه, ومن غير المستحسن بالنسبة لواشنطن أن تغير من تحاشيها لجماعة الإخوان المسلمين, حتي تثبت ما يؤيد توجهها الديموقراطي والتزامها بالسلام في المنطقة.
في الوقت نفسه, وبصورة سرية علي نحو مناسب, ينبغي علي الإدارة أن تستمر في تشجيع الهيئة العسكرية المصرية علي دعم انتقال – أكيد ومدروس في الوقت ذاته ? نحو تشكيل حكومة ديمقراطية مدنية بصورة تامة. وهذا يعني عدم الاندفاع بصورة مستعجلة لإجراء انتخابات مبكرة والقيام بتغييرات دستورية بالجملة أو بصورة متسرعة, وعدم تسليم السلطة خلال فترة يطول أمدها, أو مقتطعة من الزمن اللازم لتحضيرها. وإلي جانب قيامها بتقديم المساعدة الاقتصادية الطارئة ينبغي علي الولايات المتحدة أن تبدأ بسرعة بتقديم المشورة الهادئة والمساعدة الفنية – يفضل أن يكون ذلك من خلال المنظمات غير الحكومية المخصصة لهذا الغرض – من أجل دعم تماسك حياة سياسية مصرية ذات ديموقراطية وتعددية حقيقية.
دينا جرجس هي زميلة أبحاث كيستون فاميلي في معهد واشنطن وتعمل ضمن مشروع فكرة: هزيمة التطرف من خلال قوة الأفكار.
ديفيد بولوك هو زميل أقدم في المعهد, ومتخصص في الرأي العام الشرق الأوسطي والإسلامي الأوسع نطاقا, والتحليل الإعلامي, والمواضيع ذات الصلة.

















