الخوف هو الترف الوحيد الذي لا أملكه ولا أسمح به,أنت حر بقدر ماتعتمد علي نفسك وأنت قوي بقدر ماتواجه الخطر...وهذه الحياةأعطتني أحلي وأغلي ماعندها ومن الحق أن أدرك أن ما بعدهاموصول بها اتصال الليل بالنهار...كلمات نطق بها مختبر الحياةمحبها,والمتصالح معها في الوقت ذاته محمد حسنين هيكل صاحب المشوار الصحفي الأشهر والسياسي والمفكر بطول 74عاما.بدأ هيكل عمله الصحفي بنشاط ملفت ونجاحات متسارعة حلقت بهخلال فترة وجيزة في أفاق المهنة الشاقة والمشوقة في ذات الوقت.عمل محررا للحوادث بصحيفة إيجيبشيان جازيت سنة1942 وبعدأربع سنوات انتقل إلي مجلة آخر ساعة كمراسل حربي أمد المجلةبأدق وأبرع التقارير والموضوعات الصحفية علي جبهات القتال فيفلسطين والعلمين ومالطة وغطي أحداث استقلال باريس وغيرها.ثمتقابل في مطعم باريزيانا بباريس مع فاطمة اليوسف بعدها عملبمجلة روز اليوسف وكان نجمه قد سطع وواصل تألقه في سماء المهنةوعمل بأخبار اليوم.واجه هيكل الموت المحتمل أكثر من مرة عندما سافر إلي العلمين لمتابعةأخطر معارك الحرب العالمية الثانية كمراسل حربي,كما ذهب إليالموت بقدميه عندما دخل قرية القرين بالشرقية في 8أكتوبر 1947 وكانت الكوليرا تحصد الرجال بالقرية الوادعة.قال في تقريره عن القرية المأساوية معركة الموت والحياة علي أشدهافي القرين فالوباء ينشر دخانه القاتم الخانق علي القرية الصغيرةفتنهض الحياة لتبدد بسماتها المشرقة هذا الدخان وتظل تقاومه.وقدتختفي الابتسامة المشرقة أحيانا وتحل محلها الدموع ومع ذلك فإنالحياة لاتستسلم أبدا ولاتزال تثبت في القرين أنها الأقوي.أصدر في عام1951 كتابا بعنوانإيران فوق البركان ومن خلاله توثقتعلاقته بضباط 23يوليو قبل قيام الثورة.قال جاءني زكريا محيي الدينوجمال عبد الناصر وطلب مني جمال نسخة من الكتاب لأن سعره كانغاليا (عشرة قروش) ثم النقيته ثانية وكان في مهمة حفظ النظامبمنطقة الأزبكية ضمن الكتيبة السادسة.ثم دام اتصالي بعبد الناصر ولم ينقطع منذ ذلك التاريخ وكنت أناديهباسم جمال.وبعد أن تولي رئاسة الجمهورية كان من الصعب علي أنأقول سيادة الرئيس كنت أتصور أن الود الذي بيني وبينه لا يسمح ليأن أقول سيادة الرئيس لأنها تصنع حاجزا مباشرا ولهذا كنت أتحدثمعه بدون أن أناديه.كانت المرة الوحيدة التي قلت فيها سيادة الرئيس عام1970 في جلسةلمجلس الوزراء عندما كنت وزيرا للإرشاد وكان يسألني في موضوعمعين أمام الوزراء فقلت لهسيادتك أمرت بكذا فنظر إلي وقال غريبةقوي دي أول مرة بتقولي سيادتك فقلت له لأن فيه ناس قاعدين فانفجرضاحكا.تحمس حسنين هيكل لمشروع ثورة يوليو واقترب من جمال عبد الناصروآمن بالتجربة إلي حد الإعجاب بالمشروع التنموي القومي.واستطاعمن خلال رئاسته لتحرير جريدة الأهرام في عام1957 أن يسخر كلإمكانيات الجريدة لخدمة الثورة.نجح العملاق في ثلاث سنوات كرئيس لتحرير الأهرام في تشكيل أهمهيئة تحرير في تاريخ الصحافة المصرية ضمت الشيوخ والشباب منكل الانتماءات الفكرية ورفع توزيعها من60ألف نسخة في اليوم إليمليون نسخة يوميا وأضحت الأهرام أحد أهم عشر صحف في العالموأقواها مصداقية وتأثيرا في الرأي العام.صك الأستاذ-وهو لقبه الأشهر-تعبير النكسة عقب هزيمة مصر فيحرب1967 مع إسرائيل وهي الحرب التي شكلت ضربة قاصمة لثورةيوليو ونظام عبد الناصر.وكان يهدف التقليل من حجم الصدمة عليالمصريين بديلا عن تعبير الهزيمة وهكذا أدار دفة الأهرام وطوعهالمصلحة الثورة من خلال علاقته الحميمة بجمال عبد الناصر.دشن هيكل بذكائه الصحفي مرحلة جديدة بالأهرام عقب نكسة 1967 عندما كتب في مقال شهيرعبد الناصر ليس أسطورة داعيا إليضرورة تقنين الثورة في نظام حكم يعتمد علي المؤسسات والإدارةالحديثة وحكم القانون مطالبا بإنهاء عصر زوار الفجر الذين كانوايأخذون كل صاحب رأي مخالف من الدار إلي النار.ولد محمد حسنين هيكل في23سبتمبر سنة1923- عام حصول مصرعلي أول دستور بعد قرون من الاحتلال الأجنبي حصل علي دبلومالتجارة المتوسطة,ثم دبلوم الدراسات القانونية بالمراسلة من إحديالجامعات الأجنبية.كان عاشقا للقراءة منذ صباه وموهوبا بالقدرة علي التعبير وسرعةالبديهة وفن الحكي وقوة الملاحظة والالتزام بالنظام.سافر هيكل إلي كل أنحاء العالم وغطي الحروب والأحداث فيأماكنها الساخنة من الفالوجة سنة1948 إلي فيتنام والبلقان وإيرانواليمن. وتنفس دخان المعارك في ميادين القتال لكن أهم مكان إليروحه كان حديقة بقصر في قرية برقاش لا يخلو ركن فيها من لمسةجمال أنيقة وشجرة نادرة وتحفة وضعتها بصبر وإيمان برسالتهشريكة حياته السيدة هدايت تيمور,وهي الوحيدة التي خفق لها قلبهبمجرد أن زارته في مكتبه بالأهرام تطلب مساعدته للجمعية الخيريةالتي تعمل بها.رفض هيكل فراق الأهرام أكثر من مرة,بداية أصدر عبد الناصر قرارابتاريخ 26أبريل1970 بتعيينه وزيرا للإرشاد القومي.وبرغم رفضه إلاأنه قبل بعد ذلك نزولا علي رغبة الرئيس الذي يرتبط معه بعلاقةصداقة.بعدها رفض منصب مستشار إعلامي للرئيس السادات ثمجاء الفراق القسري في أول فبراير 1974 عندما أقاله السادات منالأهرام لكن القرار لم ينجح في إبعاده عن مهنته التي عشقها...يومهاقال لأمه:لاتنزعجي يا أمي.مادام القلم معي فأنا لم أفقد شيئا ومنكتابه خريف الغضب أفاض وأسهب عن السادات.أثبت هيكل أن الجورنالجي الحقيقي لايموت فأمتع القارئ العربيوالدولي بسلسلة من الكتب والدراسات عبر سنين وتسابقت علي نشرمقالاته وشهاداته وكتبه كبريات الصحف ودور النشر العالمية وحافظعلي علاقة صداقة متميزة مع قادة الفكر وزعماء التحرر في العالمأمثال جيفارا وميتران وجارودي وسارتر وكاسترو والملك حسينوالحبيب بورقيبه ومن قبلهم تيتو ونهرو وشواين لاي وخروشوف...فأثبتأنه وهو بعيد عن المنصب الصحفي وقيود الوظيفة أكثر انطلاقاواستقلالية وإبداعا وقوة تأثير.في سن الثمانين أعلن أسطورة القيم مقولته الشهيرةاستئذان فيالانصراف وكان يقصد انصرافا وليس اعتزالا وابتعادا عن المنصبوليس غيابا كما فهم كثير من أحبائه ومريديه وبعد الانصراف كانتكتبه وكتاباته مصدرا لاينصب للمعرفة والتعلم ومتعة القراءة.كانت كتاباته ومدرسة صحفية تدرس علي مستوي العالم لأبناء المهنةفكانت تضم معلومات موثقة بالتواريخ وتتصف بالسرد السلسلوالترتيب المنطقي للمعلومات وكانت لديه قدرة لغوية عالية سواء في ثراءمفرداته واستخدامها في المكان المناسب أو في تركيبة الجملة والفقرةبشكل دقيق كما لو كانت بناء معماريا محكما ولا عجب فهو المحللالذي ترجمت أعماله إلي عشرات اللغات العالمية.قال عنه رفيق مدرسته الصحفية مكرم محمد أحمد كان مخبرا صحفيافذا أخلف وراءه سيرة حافلة تقترب من أن تكون أسطورة عنوانهاالإقدام والكبرياء والاعتداد بالنفس وترك إرثا صحفيا ضخما فيعشرات الكتب وآلاف المقالات يضعه في مصاف رجالات مصرالكبار.ومن الصعب أن تفاجئه بفكرة أو خبر.كان قلمه كالساحر يأخذقارئه كالمشدوه إلي نهاية المقال دون أن يرفع رأسه من صحيفته.ودع هيكل صحافة الأسلوب التي تعلمها من أستاذه محمد التابعيوصحافة الخبر المشوق التي نجح فيها مصطفي وعلي أمين وأنطونباشا الجميل وأسس صحافة المصداقية والحقيقة وماوراء الخبر.وجه هيكل قلمه ضد الرئيس السادات وهاجم قرار وقف إطلاق الناربعد حرب أكتوبر 1973 رغم وقوفه إلي جواره في بداية حكمه فقد رأيأن الرئيس أعطي الولايات المتحدة دورا أكبر مما ينبغي بعد انتصارتحقق بسلاح جاء من الكتلة الشرقية وعلي رأسها الاتحاد السوفيتيوهو ما كلفه تركه الأهرام عندما طلب منه السادات أن يترك منصبهمقابل أن يعمل مستشارا إعلاميا للرئيس ورفض فأقاله.جاءت علاقته بالرئيس مبارك مثل علاقته بالسادات بدأت بالتأييد ثمالمعارضة ثم جاءت المحاضرة التي ألقاها هيكل سنة2002 بالجامعةالأمريكية بمثابة الرصاصة في قلب النظام عندما قال إن السلطةشاخت في مواقعها وهناك مخططا واضحا لتوريث الحكم ومهما كانتالصورة...