يحار المرء في حلوان إذا ما أطلت أمام عينيه في أي مكتوب. الحيرة تشتد أكثر وأكثر إذا تعمق المرء في تاريخها. ما بين ياقوت الحموي والمقريزي وعلي باشا مبارك:
حلوان التي تحتفي هذه الأيام بعيدها القومي الأول كمحافظة مستقلة تصيب المرء بمس من الجنون اللذيذ وهو يتصفح التاريخ الدقيق لنشأتها وإطلاق هذا الاسم عليها,فهي قديمة…عريقة…ضاربة بجذورها في التاريخ وإن كان المؤرخون انقسموا في نشأتها إلي فريقين أحدهما وعلي رأسه المقريزي يعود بجذورها إلي حلوان بن عمرو بن أمرؤ القيس ملك مصر,وأن حلوان هذا كان بالشام علي مقدمة جيش أبرهة ذي المنار والفريق الآخر علي رأسه علي باشا مبارك في خططه التوفيقية يري أن حلوان اتخذت اسمها من حلوان بن عمران إذ أعطاه أحد الملوك هذه المنطقة باسمه. وأيا كان رأي هذا الفريق أو الآخر فأن الأعجب أن اسم حلوان لا يقتصر فقط علي حلوان المصرية وإنما يتعدي حدود مصر, إذ يطلق أيضا علي منطقتين أخريين: الأولي في خراسان بنيسابور والثانية في العراق.
بعيدا عن الجذور التاريخية لحلوان المصرية والتي هي عريقة بكل الأسانيد,فأن موقعها أيضا جعلها مكانا يستهوي الخلفاء والملوك والأمراء لطبيعتها ومناخها ومياهها الطبيعية.. وقبل أن نخوض في هذا الغمار نستقي أولا بما ذكره علي باشا مبارك في خططه عن موقع حلوان إذ يذكر تحديدا أنها علي شاطئ النيل بينها وبين الفسطاط ثمانية فراسخ وظل اسم حلوان متداولا حتي أخذ في الاضمحلال إلي أن جاء عبد العزيز بن مروان حيث أعجبه هواؤها فجددها وأصلحها وأنشأ له قصرا بها وكان دائم التردد.
وفي سنة 1849م أرسلت حكومة خديوي مصر عباس الأول بعض الجنود لاستغلال مياه العين الذي تأكد من أنها كبريتية,فأمر ببناء خزان خشبي لها وكان لنجاح تجربة استخدام الجنود للمياه الكبريتية الأثر الأعظم وجذب عدد كبير من المصريين لهذه العين التي تفجرت بجانبها عيون أخري مما أدي لتوافد الأوربيين عليها للاستفادة منها بغرض الاستشفاء إلا أن عدم وجود أماكن لإقامتهم بالإضافة لابتعادها عن القاهرة جعل توافدها متقطعا وليس كما كان متوقعا,مما دفع بخديوي مصر إسماعيل سنة 1868م لإرسال لجنة من كبار العلماء في ذلك الوقت لدراسة المكان وكتابة تقرير عن مياه حلوان الصحية وبمجرد تلقيه التقرير أمر نظارة الأشغال العمومية ببناء حمام في موقع العيون.
ويذكر د.ريل مدير الحمامات في مذكراته أنه في عام 1870م توقف العمل في المشروع فما كان منه إلا أن تقدم للخديوي إسماعيل يطلب مائتي جنيه مصري لبناء حمام مؤقت وخيام ومعدات من نظارة الحربية.وبهذا الشكل البدائي افتتح الدكتور ريل الحمام رسميا في 2يوليو سنة 1871م,ودعا الجمهور للاستفادة من المياه الكبريتية فأتاه المصريون والأجانب من القاهرة والإسكندرية بأعداد غفيرة فاقت كل التوقعات. وتأتي زوجة الخديوي إسماعيل مع زوجها حاكم البلاد وحاشيته علي رأس زوار الحمام. وعلي مدار ثلاثة أسابيع من العلاج حققت زوجة الخديوي تقدما كبيرا وهو الأمر الذي دفع الخديوي شخصيا لتحويل المنطقة برمتها إلي منتجع صحي علي أعلي مستوي,وفي فبراير عام 1872م بدأ العمل الذي طال انتظاره,وكان طبيعيا في ظل اهتمام الخديوي بالمنطقة أن تتزايد أعداد الحمامات نذكر منها علي سبيل المثال: حمامات خاصة للأوربيين, وأربعة عشر حماما للعامة,وحماما خاصا للخديوي إسماعيل,كما بني فندقا صغيرا ضم أربعين غرفة باسم جراند أوتيل ثم تغير اسمه إلي فندق الحمامات. وهكذا تحولت المنطقة برمتها إلي واحدة من أجمل وأهم المشاتي العالمية التي يأتيها الأجانب من كل صوب وحدب,وحرص الخديوي علي ترتيب هذه الحمامات إلي ثلاث درجات تبعا للأجرة ونوعية الحمام المطلوب فصدرت تعريفة درجة أولي 12قرشا ودرجة ثانية 6قروش ودرجة ثالثة3قروش,كما سمح للفقراء بالاستحمام مجانا في الدرجة الثالثة بشرط أن يكون ذلك بشهادة من مفتش الحمامات,وقد سمح أيضا ببيع المياه بمبلغ وقدره عشرة فرنكات لكل 10سم3. أما عن المواصلات من وإلي حمامات حلوان كان الانتقال قبل إنشاء الخط الحديدي بين القاهرة وحلوان في عام 1877م يتم بالأمنيبوس وهو عبارة عن عربة تجرها أربعة بغال وتتسع لستة مقاعد. وكان يقوم برحلته من القاهرة إلي حلوان ثلاث مرات في الأسبوع وأجره 10فرنكات للفرد,بينما إيجار العربة التي يجرها 4خيول من 50إلي80فرنكا. ثم أنشئ بعد ذلك الخط الحديدي عام 1877م ويبدأ من ميدان محمد علي بالقلعة إلي حلوان ليصبح بمقدور الأثرياء والسياح التوجه إلي حمامات حلوان.
وعندما تولي الخديوي توفيق الحكم اهتم بحلوان وبني له قصرا هناك وتزوج فيه وشاء القدر أن يتوفي أيضا به,وتوقفت حركة التعمير في حلوان بعد وفاته. وفي عام 1892 افتتح الخديوي عباس حلمي الثاني رسميا مؤسسة جديدة للحمامات بنتها شركة سكك حديد مصر بعد حصولها علي امتياز استغلال المياه في 21مايو 1896م وتم تأجير المؤسسة لشركة جورج ونجوفيتش وفي عهد الملك فاروق تم إطلاق اسم محطة الاستشفاء علي حمامات حلوان,وقام فاروق بزيارة الحمامات عدة مرات كما اشتري كازينو سان جيوفاني الذي تحول فيما بعد إلي ركن حلوان أو ركن فاروق.
ومن أشهر الشخصيات المعروفة التي زارت حلوان للاستشفاء بمياهها الأمير ليوبولد والإمبراطورة إليزابيث إمبراطورة النمسا والمجر وإدوارد الثامن ملك بريطانيا بالإضافة إلي الخديوي إسماعيل والخديوي توفيق والخديوي عباس حلمي الثاني وزوجاتهم والملك فاروق,كما كان يزور المنتجع بصفة منتظمة اللورد كرومر وسير جورج إليوت والجنرال اللورد أربوثنوت قائد فرق حرس الفرسان السابعة وفرق حرس التاسعة عشر الذي أرسلوا إلي حلوان بعد حرب 1882م للعلاج من داء التيفود الذي أصابهم في التل الكبير.
وما يثير الحزن حقا في النفوس أن تنزوي حمامات حلوان أهم منتجع صحي وغيرها من الكنوز القاطنة بها في مجاهل النسيان وتقع فريسة للفوضي والإهمال والتلوث. فهل تسرع الدولة لإعادة الحياة مرة أخري لحمامات حلوان حتي تصبح كما كانت رافدا مهما من روافد السياحة الوافدة إلي مصر.
إعداد ميلاد حنا زكي
المصادر:
* كتاب حلوان الحمامات بين ماضيها ومستقبلها
* كتاب القاهرة في عصر إسماعيل-عرفة عبده علي
* مجلة مصر المحروسة الجزء العاشر والثاني عشر-ماجد فرج















