بعد يوم واحد من قرار الائتلاف الحاكم في باكستان جري تقديم لائحة اتهامات إلي البرلمان ضد الرئيس الباكستاني برويز مشرف بعد أن استقال من منصبه في 18 أغسطس 2008 وذلك بعد 9 سنوات من توليه السلطة وذلك لتجنب مساءلته في البرلمان.وكانت جرت وساطة سعودية أمريكية بريطانية مهدت الطريق لمشرف للاستقالة مقابل سلامته الشخصية.
عقب إعلانه الاستقالة خرج آلاف الباكستانيين إلي الشوارع في العاصمة إسلام أباد وبالمدن الرئيسية معبرين عن ابتهاجهم,كما قام خصومه في عدد من المدن الرئيسية بينها لاهور وكويتا وبيشاور وغيرها بتوزيع الحلوي والمشروبات.
حوصر مشرف وسط أزمة الأحزاب الدينية وارتفاع الأصوات التي كانت تنادي بتخليه عن السلطة وعن قيادة الجيش وذلك بعد 8 سنوات من الحكم انتهت بنهاية عام 2007,وربما لم يجد له مخرجا فراح يسترضي ألد أعدائه بينظير بوتو التي قضت 8 سنوات في المنفي بدبي بعد اتهامات لها بالفساد,ونواز شريف رئيس الوزراء الأسبق وزعيم حزب الرابطة الإسلامية الذي أبعد عن منصبه إثر انقلاب عسكري قادة ضده مشرف في عام 1999 واستولي بموجبه علي السلطة تحت شعار تحقيق مصلحة البلاد.
البداية جاءت في 18 فبراير الماضي عندما لاحت قدرة حزب الشعب علي تكوين ائتلاف يسيطر علي ثلثي مقاعد البرلمان ومن ثم يمكنه العمل علي تنحية مشرف أو إعلان أن انتخابه باطل.
بعدها قالت جريدة صنداي تلجراف نقلا عن مساعدين مقربين لمشرف إن الرئيس الباكستاني أصبح يدرك تماما أنه لم يعد أمامه خيار عقب إعلان أحزاب المعارضة الثلاثة في السابع من أغسطس 2008 اعتزامها التحالف معا لتشكيل الائتلاف الجديد واتفاقهم علي إعادة كبير القضاة افتخار شودري و60 قاضيا آخرين كان قد عزلهم مشرف من مناصبهم في نوفمبر 2007.
أزمة مشرف تمثلت في أنه كان مصرا علي الجمع بين منصب رئيس الدولة وقيادة الجيش,وهو ما يعني ضرورة إدخال تعديلات دستورية عن طريق البرلمان,ومن ثم كان يحتاج لتأييد معارضيه أمثال بوتو التي نصحته في لقائهما السري في أبوظبي أن يتخلي عن قيادة الجيش والترشح لمنصب رئيس الدولة بالزي المدني الذي كان ينبغي عليه ارتداؤه رسميا في أكتوبر 2003.
كانت وشنطن رحبت بعودة بوتو باعتبار أن فوزها في الانتخابات سيؤدي لتقاسم السلطة مع مشرف وتجميل وجه النظام برصيدها الشعبي مما يخفف من الاحتقان الداخلي,كما أنها أي بوتو ترحب بالتعاون مع الولايات المتحدة..لكن السيناريو انهار باغتيالها مما جعل من مشرف بديلا وحيدا لا يمكن الاستغناء عنه بالنسبة لواشنطن.
المعروف أنه عقب حادث اغتيال بينظير بوتو فوجئ ابنها بيلاوال زرداري (19 سنة) بإقحامه في عالم السياسة المحفوف بالمخاطر في باكستان وهو الطالب بجامعة أكسفورد البريطانية الذي يفتقر لأدني خبرة سابقة..فإذابه يتقلد منصب رئيس الحزب الشعبي الباكستاني وتقلد والده عاصف علي زرداري منصب نائب الرئيس.في حين أن الواقع أفرز أن الوالد كان يدير الحزب فعليا من وراء الابن الحامل لاسم بوتو الذي يثير تعاطف كثير من الباكستانيين وتأييدهم في صناديق الاقتراع.ولما كان الصغير بيلاوال مشغولا بدراسته اندفع الأب عاصف لصدارة الحزب حتي اعتلي أخيرا منصب رئيس الدولة خلفا لمشرف.
بنهاية العام المنصرم واجهت الحسابات الأمريكية مواقف صعبة حيال باكستان حيث بات التورط في أزماتها الداخلية من وجهة نظر المراقبين مخاطرة,ومقاطعتها كارثة,والبحث عن حل لمشاكلها الكثيرة المعقدة ضربا من الجنون,غير أن تجاهلها كان دعوة للانتحار..ومن ثم أدرك صناع القرار الإمريكي وعورة الخريطة الداخلية لباكستان لكنهم مرغمون علي ترويض تناقضاتها حتي لا تعود نقطة عبور للإرهابيين القادمين من جارتها أفغانستان.
فن آخر استطلاع للرأي قبل الانتخابات الباكستانية التي جرت في 18فبراير 2008 وأشرف عليها المعهد الجمهوري الدولي ومقره واشنطن قال 80% من الباكستانيين أنهم يودون رحيل مشرف عن السلطة.وبالنسبة لواشنطن جاءت النتيجة مقلقة وإن كانت غير مفاجئة,فهي أي أمريكا لا تنكر أن مشرف بدكتاتوريته وقراراته السلطوية أصبح عبئا خاصة بعد المعارضة الشعبية العارمة,كما أن تماديه في القمع الداخلي مثل إحراجا للإدارة الأمريكية أمام الرأي العام الأمريكي والدولي.
ففي ديسمبر الماضي عزل مشرف رئيس القضاة و60 قاضيا آخرين وفرض الطوارئ وقام باعتقالات واسعة واقتحم الجنود بأوامر منه المسجد الأحمر وكبت الإعلام مما أدخله في مواجة مع كافة فئات المجتمع في باكستان.
هكذا فقد مشرف من أوسع الأبواب بوصولة الديموقراطية في الداخل متمثلة في العمق الشعبي أولا,ولم يقدم علي خطوة للاقتراب من المعارضة إلا في العام الماضي عندما توترت الأوضاع السياسية,ورضوخا لمطلب أمريكي حين أصر علي تولي فترة رئاسية جديدة رغم معارضة غالبية الباكستانيين.والخطأ الثاني أنه لم يصنع فاصلا بين مصالح الدخل وإملاءات وشروط التحالف مع مريكا ضد الإرهاب.
ولد برويز مشرف بإحدي القري مدينة دلهي بالهند في 11أغسطس عام 1943 ثم هاجرت الأسرة إلي باكستان بعد أن التحق والده سيد مشرف أودين خريج جامعة أليجار بالعمل في الخارجية الباكستانية.كما تحمل الأم زارين شهادة الماجستير من جامعة لوكنو.
يتذكر مشرف أنه سقط من علي شجرة مانجو أثناء فترة المراهقة واعتبرها أول اختبار مباشر مع الموت.
انخرط في الدراسة بمدرسة سان باتريك في كراتشي وتخرج منها سنة 1958 ليلتحق بعدها بكلية فورمان كريستيان في لاهور بباكستان,كما حصل علي شهادة في إدارة الإعلام من جامعة دلهي.
متزوج منصهبةوهي من منطقة أوكارا ويعمل ابنهما بيلال خريج جامعة ستاتفورد بوادي السليكون بأمريكا,أما ابنتهما أيلارازا فتعمل مهندسة معمارية في كراتشي.
في سنة 1961 انخرط مشرف في الدراسة بالأكاديمية العسكرية الباكستانية في كاكول وتدرج بعد التخرج في عدة مناصب في سلاح المشاة وبالقوات الخاصة كما حصل علي شهادات لدراسات في الدفاع من الكلية الملكية بلندن.
شارك في الحرب بين باكستان والهند سنة 1965 وسنة 1971.
وفي عام 1991 رقي لمنصب قائد سلاح المشاة,وفي 21 أكتوبر 1995 تقلد منصب قائد وحدات الجيش الباكستاني الأول.
في عام 1999تقدم علي كل أقرانه عقب استقالة الجنرال جيها بخير كرامات.
وفي الفترة من مايو إلي يوليو من نفس العام تبادل الاتهامات مع نواز شريف رئيس الوزراء آنذاك بينما كان قائدا للجيش حيث اتهم أحدهما الآخر بالإخفاق في الحرب بمنطقة كرجيل بكشمير المتنازع عليها بين باكستان والهند ,ولكنه حسم الصراع وأقال شريف بانقلابه العسكري علي السلطة.
تعرض مشرف لأربع محاولات اغتيال ثلاث منها عام 2003 وآخرها في 14 ديسمبر لنفس العام,ثم جاءت المحاولة الرابعة في 6 يوليو عام 2007 لكن جميعها باءت بالفشل.
وبعد الرحيل يتساءل المراقبون عما إذا كان غياب مشرف يعني أن تغييرا نوعيا قد يطرأ علي الحياة السياسية والممارسة الديموقراطية في باكستان..أم أنها علي شفا حلقة جديدة من تناوب العسكر والسياسيين علي السلطة دون أن يتنفس الباكستانيون نسيم الحريات المدنية؟تاريخ باكستان في نصف قرن عرف بإدمان الانقلابات العسكرية (خمسة انقلابات) وهو ما يؤكد فشل النخبة هناك في صيانة المسيرة الديموقراطية بالرغم من النجاح النسبي في إقامة المؤسسات المدنية السياسية والاقتصادية وتعزيز التعددية في وجود مؤسسة عسكرية قوية..والكفة تميل بالطبع لصالح الهند في حالة المقارنة إذ حافظت علي مسيرتها الديموقراطية رغم تعدادها الطائفي فلم تشهد انقلابا عسكريا واحداخلال نفس الفترة منذ الاستقلال وهو ما جعلها جديرة بلقب أكبر ديموقراطية في العالم بحكم تعدادها السكاني الهائل والذي يناهز المليار نسمة.


















