”
توافقًا نادرًا على شخصية واحدة لقيادة المنظمة الثقافية الأهم في العالم
حصد الدكتور خالد العناني، وزير السياحة والآثار المصري الأسبق، فوزًا كبيراً في انتخابات منصب المدير العام لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) بعد حصوله على 55 صوتًا مقابل صوتين فقط لمنافسه الكونغولي إدوارد فيرمين ماتوكو، خلال التصويت الذي جرى في باريس،في انتصار تاريخي غير مسبوق.
والنتيجة التي أعلنتها رئيسة المجلس التنفيذي للمنظمة فيرا الخوري لاكويه، سجّلت أكبر إجماع دولي في تاريخ انتخابات اليونسكو منذ تأسيسها عام 1945، لتؤكد المكانة المتقدمة للدبلوماسية المصرية وقدرتها على الحشد والتأثير في المحافل العالمية. هذا الفوز جاء تتويجًا لحملة انتخابية امتدت لأكثر من عامين ونصف، قادها فريق مصري شاب بإشراف مباشر من وزارة الخارجية، وبتنسيق مع وفد مصر الدائم لدى اليونسكو وسفاراتها حول العالم ..
وخلال حملته، زار العناني 65 دولة وأجرى أكثر من 400 لقاء رسمي، مقدّمًا رؤيته لــ«اليونسكو من أجل الشعوب» القائمة على الاستماع، التواصل، وبناء الشراكات الدولية. حظي المرشح المصري بدعم عربي وإفريقي وأوروبي واسع، إذ أعلنت جامعة الدول العربية والاتحاد الإفريقي تأييدهما الرسمي لترشيحه، إلى جانب دول كبرى مثل فرنسا وألمانيا وتركيا والبرازيل، ما عكس توافقًا نادرًا على شخصية واحدة لقيادة المنظمة الثقافية الأهم في العالم. كما قام “العناني” بزيارة إلى الفاتيكان في فبراير 2025 للقاء قداسة البابا فرانسيس، حيث عرض رؤيته للمساهمة في تعزيز السلام والحوار بين الثقافات. وفي أول تصريح بعد فوزه، عبّر الدكتور خالد العناني عن امتنانه للثقة الدولية التي أُوليَت له، مؤكدًا أن حملته كانت «رحلة استماع للعالم»، وأنه سيعمل على تحقيق رؤية مشتركة تجعل من اليونسكو منصة للجميع، قائمة على النزاهة وبناء جسور التفاهم بين الشعوب.
وجاء الفوز بدعم رئاسي مباشر من الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي وجّه بمتابعة تفاصيل الحملة وتوفير الدعم الكامل لها، في إطار توجه الدولة المصرية لتعزيز حضورها في المؤسسات الدولية، خاصة في مجالات الثقافة والتعليم وحماية التراث.
ومن المنتظر أن يُثبت المؤتمر العام لليونسكو تعيين الدكتور العناني رسميًا خلال انعقاده في “سمرقند” نهاية أكتوبر المقبل، على أن يتسلّم مهامه منتصف نوفمبر 2025، إيذانًا بمرحلة جديدة من الحضور المصري العالمي في الساحة الثقافية الدولية.
إنه فوز لا يعبّر فقط عن إنجاز شخصي لعالم المصريات البارز، بل عن رسالة دولية تقدّر الدور الحضاري لمصر وتعيدها إلى قلب المشهد الثقافي العالمي، كما كانت دائمًا منذ فجر التاريخ.
النشأة والطفولة
وُلِد خالد العناني في 14 مارس 1971 بمحافظة الجيزة، في أسرة متوسطة الجذور؛ والده مهندس عصامي من قرية بمدينة الزقازيق، ووالدته معلمة للغة الفرنسية، وكان لهما تأثير كبير في تكوين شخصيته العلمية.
قضى جزءًا من طفولته المبكرة في إيطاليا حيث كان والده في مهمة تدريبية، وهناك التحق بالحضانة وتعلم مبادئ اللغة الإيطالية، واحتفظ بذكريات دافئة عن أصدقائه، أبرزهم “فردريكو”.
عاد الطفل الصغير إلى القاهرة، والتحق بمدرسة مدرسة ليسيه الحرية بباب اللوق وتخرج منها عام 1988 ، حيث بدأ رحلة التفوق الدراسي المبكر، فكان دائمًا من الأوائل، ويتذكر بفخر يوم ظهرت نتيجته في المرحلة الابتدائية وكان والده يوقظه منتصف الليل ليخبره أنه الثالث على غرب القاهرة.
ونشأ “العناني” في بيئة قريبة من التاريخ والآثار، قد تكون قد زرعت في نفسه شغفًا مبكرًا بالحضارة المصرية القديمة، ومع مرور السنين، تحوّل ذلك الشغف إلى مسيرة مهنية امتدت لأكثر من ثلاثة عقود، جمع خلالها بين العلم والإدارة، والأكاديمية والعمل العام، والتراث والدبلوماسية الثقافية.
فاليوم يُعرف الدكتور خالد العناني بوصفه أحد أبرز وجوه الثقافة المصرية والعربية على الساحة الدولية، ورمزًا للجمع بين الأصالة والحداثة في إدارة التراث.
من قاعات الدرس إلى ساحات التراث
بدأت رحلة “العناني” العلمية من جامعة حلوان، حيث حصل على بكالوريوس الإرشاد السياحي، وهي الدراسة التي غذّت اهتمامه بالثقافات المختلفة، قبل أن يواصل شغفه بالحضارة المصرية القديمة بحصوله على درجة الماجستير في آثار النوبة. وكان اهتمامه بالنوبة تحديدًا مدخلًا لتقدير الدور الإنساني لمنظمة اليونسكو، التي قادت أكبر مشروع إنقاذ أثري في التاريخ لحماية آثار النوبة في ستينيات القرن الماضي، وهو الحدث الذي ترك أثرًا واضحًا في فكر “العناني”، وربما مهّد طريقه لاحقًا نحو العالمية. لم يكتف بالدراسة في مصر، بل اتجه إلى فرنسا حيث حصل على درجة الدكتوراه من جامعة بول فاليري مونبلييه 3 بامتياز. وهناك تعمق في دراسة علم المصريات وأتقن اللغتين الفرنسية والإنجليزية إلى جانب العربية، ليصبح باحثًا عالميًا قادرًا على تمثيل مصر علميًا وثقافيًا في المحافل الدولية. ثم عاد “العناني” إلى جامعة حلوان ليبدأ مشواره الأكاديمي، أستاذًا ومدرسًا وباحثًا، فدرّس الحضارة المصرية واللغة القديمة ومنهجية البحث العلمي، وأشرف على أكثر من ثلاثين رسالة ماجستير ودكتوراه. كما مثّل مصر في مؤسسات أكاديمية فرنسية مرموقة كأستاذ زائر على مدار سنوات طويلة، وشارك في مشاريع بحثية للمعهد الفرنسي للآثار الشرقية بالقاهرة امتدت نحو خمسة عشر عامًا، ساهم خلالها في **تدريب أجيال من الباحثين المصريين** وتعزيز الشراكات العلمية بين مصر وأوروبا.
حين أُسند إليه منصب وزير الآثار في عام 2016، كان خالد العناني قد راكم خبرة أكاديمية وإدارية نادرة. فخلال ست سنوات من توليه الوزارة، لم يكتف بالحفاظ على التراث، بل أعاد صياغة مفهوم إدارة الآثار في مصر على أسس حديثة. وفي عام 2019، جاءت النقلة الأهم حين تم دمج وزارتي السياحة والآثار في حقيبة واحدة تحت قيادته، في خطوة غير مسبوقة منذ أكثر من نصف قرن، فتولّى إدارة ست هيئات تضم أكثر من 35 ألف موظف، وميزانية تقترب من نصف مليار دولار سنويًا. كما أدار العناني الوزارة بعقلية الباحث ودقة العالم، لكنه أضاف إليها روح القائد العملي. أطلق إصلاحات تشريعية لتعزيز حماية الآثار، وحرص على إقامة شراكات مع القطاع الخاص والمجتمع المدني لتوفير موارد جديدة للترميم والتطوير.
كما أشرف على أكثر من ألفي موقع أثري وأربعين متحفًا في مختلف أنحاء مصر، من بينها المتحف القومي للحضارة المصرية الذي افتُتح في عام 2021، والمتحف المصري الكبير المطل على أهرامات الجيزة، وهو المشروع الذي يصفه دائمًا بأنه “هدية مصر للإنسانية”.
استرداد كنوز إدارة أزمات
في عهده، افتتحت وزارة السياحة والآثار أكثر من خمسين مشروع ترميم لمبانٍ تاريخية ودينية، وأشرف على عمل أكثر من ثلاثمائة بعثة أثرية مصرية وأجنبية من خمسٍ وعشرين دولة، أسفرت عن اكتشافات مهمة أضافت فصولًا جديدة إلى قصة الحضارة المصرية. كما قاد اللجنة القومية للآثار المستردة، وتمكّن بجهوده الدبلوماسية من استعادة آلاف القطع الأثرية المهربة من الخارج، بينما أعاد بنفس الروح العادلة قطعًا أثرية أجنبية إلى بلدانها الأصلية.
واختُبرت قدراته الإدارية في أوقات عصيبة، خصوصًا خلالجائحة كوفيد-،19 التي أغلقت العالم، إذ وضع بروتوكولات صارمة للصحة والسلامة في المنشآت السياحية والمواقع الأثرية، مما ساهم في سرعة تعافي القطاع السياحي واستعادة الثقة الدولية في المقصد المصري. كما تعامل باحترافية مع تداعيات الحرب في أوكرانيا، حيث وفّر دعمًا استثنائيًا لآلاف السائحين الأوكرانيين الذين تقطعت بهم السبل في مصر، في مشهد إنساني حظي بتقدير دولي واسع.
الموكب الملكي وطريق الكباش
عرفت مصر في عهد خالد العناني لحظات ثقافية استثنائية، أبرزها موكب المومياوات الملكية الذي أبهر العالم في شوارع القاهرة عام 2021، واحتفال افتتاح طريق الكباش بالأقصر عام 2021 أيضًا، وهما حدثان أعادا للتراث المصري بريقه العالمي وجذبا أنظار ملايين المشاهدين حول العالم. فلم تكن تلك الفعاليات مجرد عروض احتفالية، بل رسائل مدروسة لربط الماضي بالحاضر، والتأكيد على أن الحضارة المصرية ما تزال نابضة بالحياة. وفي موازاة ذلك، أطلق العناني مشروع التحول الرقمي في قطاعي السياحة والآثار، فأنشأ قواعد بيانات للقطع الأثرية، ومنصات إلكترونية للحجز والزيارة، وأتاح جولات افتراضية للمواقع والمتاحف خلال فترات الإغلاق. كما حرص على تطبيق سياسات الإدماج والمساواة بإتاحة الدخول المجاني للأطفال وذوي الإعاقة وكبار السن للمواقع الأثرية، وتشجيع مشاركة المجتمع المحلي في حماية تراثه.
من “سراج الدين” إلى “العناني”
وعلى مدى أكثر من 25 عامًا، لم تتوقف المساعي المصرية والعربية للوصول إلى منصب المدير العام لمنظمة اليونسكو، أحد أرفع المناصب الثقافية الدولية. فبدأت المحاولات عام 1999 بترشيح المفكر إسماعيل سراج الدين، الذي كان من أبرز المنافسين قبل أن تؤول النتيجة إلى الياباني كويتشيرو ماتسورا، لتكون تلك أول إشارة إلى الطموح المصري في قيادة المنظمة. وفي 2009، خاض وزير الثقافة الأسبق فاروق حسني المعركة الأشهر، مدعومًا بآلة دبلوماسية واسعة، قبل أن يخسر بفارق ضئيل أمام البلغارية إيرينا بوكوفا بعد خمس جولات متتالية، في واحدة من أكثر الانتخابات إثارة بتاريخ اليونسكو. ثم جاءت دورة 2017 بثلاثة مرشحين عرب دفعة واحدة ،المصريـة مشيرة خطاب، والقطري حمد بن عبد العزيز الكواري، واللبنانية فيرا الخوري لاكويه، لكن تشتت الأصوات العربية وصعودت الفرنسية أودري أزولاي، فحُسمت النتيجة لصالح باريس. وأخيرًا، تحقق الحلم في 6 أكتوبر 2025 بفوز الدكتور خالد العناني بمنصب المدير العام لليونسكو، ليُتوج مسارًا طويلًا من الجهود المصرية والعربية، ويمنح القاهرة أول انتصار من نوعه في تاريخ المنظمة، جامعًا بين العمق الأكاديمي والرؤية الثقافية الحديثة.
لم يكن اهتمام العناني بالتراث مجرد شغف أكاديمي، بل رؤية إنسانية شاملة تؤمن بأن الثقافة هي جسر للتقارب بين الشعوب. لذلك اهتم بترميم المساجد والكنائس والمعابد اليهودية، وساهم في إدراج الاحتفالات المرتبطة برحلة العائلة المقدسة إلى مص على قائمة التراث الثقافي غير المادي لليونسكو، في رسالة تعكس التعايش الفريد الذي يميز المجتمع المصري.
تقدير دولي وجوائز مرموقة
توجت مسيرة الدكتور خالد العنانى بعدد من الجوائز والأوسمة الدولية، من بينها وسام الشمس المشرقة من اليابان (2021) ، ووسام الاستحقاق من بولندا (2020)، ولقب فارس الفنون والآداب من فرنسا (2015)، فضلًا عن الدكتوراه الفخرية من جامعة بول فاليري مونبلييه 3. كما يُعد عضوًا فخريًا في الجمعية الفرنسية لعلم المصريات وعضوًا مراسلًا في المعهد الألماني للآثار، وهي اعترافات دولية بمكانته الأكاديمية ومساهماته في تعزيز الحوار الثقافي العالمي. هذا ويُنظر إلى خالد العناني اليوم بوصفه رائدًا في الدبلوماسية الثقافية المصرية، ورجلًا جمع بين حسّ العالم وديناميكية القائد، وبين الأصالة المصرية والانفتاح الإنساني. من قاعات الجامعة إلى متاحف العالم، ومن الميدان الأثري إلى المحافل الدولية، ظل هدفه واحدًا: أن يكون التراث المصري رسالة سلام ومعرفة تمتد من وادي النيل إلى العالم كله.
رؤية لإدارة اليونسكو
وفي عرضه أمام المجلس التنفيذي في باريس، قدم “العناني” رؤية طموحة تتضمّن تعزيز التعليم الشامل والعادل، لتمكين الدول النامية، وتطوير برامج تعليم مدى الحياة. وحماية التراث الثقافي والطبيعي، مع تركيز خاص على المناطق المهددة بالنزاعات، وتعزيز قدرات الدول على الصون والتعمير. والابتكار والتكنولوجيا الثقافية كأدوات لدفع التنمية المستدامة وإشراك الشباب في مشاريع الثقافة الرقمية. وتعزيز التعاون بين الدول الأعضاء عبر الشراكات ومبادرات التبادل الثقافي، وفتح المجال أمام الدول الصغيرة لدور فاعل في اتخاذ القرار. وقد لاقت هذه الرؤية استحسان الدول الحاضِرة في جلسات المرشحين، واعتُبرت نقطة جذب لدعم إضافي لترشيحه.
أول تعليق لـ “العنانى” بعد فوزه
أعرب الدكتور خالد العناني، المدير العام المنتخب لمنظمة اليونسكو، عن امتنانه العميق عقب اختياره من قِبل المجلس التنفيذي للمنظمة لتولي المنصب، مؤكدًا أن هذه اللحظة تمثل مسؤولية وفرصة لتحقيق الأمل وتعزيز التعاون الدولي. وقال “العناني” في أول تعليق له عقب إعلان النتيجة على صفحته الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي “فيس بوك”: «اليوم، اختارني المجلس التنفيذي لليونسكو لتولي منصب المدير العام. أشعر بإمتنان عميق تجاه هذه اللحظة، لما تحمله من مسؤولية وفرصة لتحقيق الأمل». وأضاف : أتقدم بخالص الشكر إلى المجلس التنفيذي على الثقة التي منحني إياها، وأحيي زميلي المرشح بأسمى آيات الاحترام والتقدير». وأوضح العناني أن حملته الانتخابية اعتمدت على الاستماع والتواصل، قائلاً: «كانت حملتي قائمة على مبدأ الاستماع والتواصل؛ زرت 65دولة، وأجريت أكثر من 400 لقاء، شكلت أفكارهم وطموحاتهم أساس لرؤيتي. هذه الرؤية وُضعت لهم وبمشاركتهم، متجذرة في أصواتهم، وحاملة لطموحات مشتركة».
وتابع المدير العام المنتخب لليونسكو: «وبينما ننتظر تصويت المؤتمر العام الشهر المقبل، أؤكد التزامي بالاستماع لكافة الآراء ومواصلة العمل المأمول منا. وإذا تم تأكيد تعييني، فسأحمل هذه الثقة الجماعية كبوصلة توجّه مسيرتي: العمل بنزاهة، وبناء جسور التفاهم بين أقاليم العالم المختلفة، وتحقيق رؤية “اليونسكو من أجل الشعوب” لتكون رؤية تمثل الجميع».
ويُنتظر أن يعتمد المؤتمر العام تعيين الدكتور خالد العناني رسميًا خلال انعقاده في سمرقند بـ أوزبكستان من 30 أكتوبر إلى 13 نوفمبر المقبل، على أن يتسلّم مهامه رسميًا منتصف نوفمبر 2025.
تحديات أمام “العناني”
تمويل اليونسكو بعد انسحاب الولايات المتحدة، والتى تعد من أكبر المساهمين في ميزانية اليونسكو (والتى تقدر بحوالى 8٪)، وانسحابها المتكرر يُشكّل تحدياً كبيراً في تأمين الموارد المالية للمنظمة. فضلاً عن الحفاظ على توازن الأصوات الدولية،ف مع تعدد مصالح الدول الأعضاء، سيكون على “العناني” كمدير عام جديد أن يوازن بين أولويات الدول الكبرى والدول الصغيرة. أيضاً مسألة جسور التوافق بين قطاعات منظمة اليونسكو المختلفة كالثقافة والتعليم والعلوم والإعلام كلها محاور ينبغي أن تُدمَج في استراتيجية واحدة دون أن تُهمّش أحدها.



















