من قلب صعيد مصر جاءتني شابة في مقتبل العمر عمرها 25 عاما.. حاملة علي كتفها طفلتها ذات الستة أعوام, ملتحفة بالسواد وبالحزن.. مصطحبة معها اثنين من خدام كنيستها شهادة حية علي حالها الذي يتعذر علي كثيرين احتماله.. بدأت خادمتها في سرد قصتها وتفاصيل معاناتها.. لفت انتباهي صمت الأم التي لم ترفع بصرها لحظة واحدة منذ بدء اللقاء. استوقفت الخادمة عن حديثها قلت للأم: ما بالك صامتة منكسرة العينين؟ أود أن أسمع التفاصيل منك وليس سواك. رفعت رأسها وبصوت مختنق بالدموع بالكاد سمعته بدأت تروي قائلة: منذ سبع سنوات تزوجت ولم أزل فتاة صغيرة.. كان زوجي يعمل نجارا.. أنجبنا ولدا ثم ابنة ثم ابنا آخر, الولدان طبيعيان أما الابنة لاحظنا في بداية عامها الثاني وضعا غريبا.. قال لي أبوها: البنت مابتنطقش.. البنت ما بتحبيش. بدأنا نتابع حالتها واستشرنا من حولنا من الأهل والأقرباء فنصحنا الجميع بالإسراع في استشارة طبيب متخصص, وفعلنا دون تردد, وبدأت دوامة الأشعات والتحاليل والفحوص التي جاءت نتيجتها كالسكين في صدري.. ابنتي مصابة بضمور في المخ, بكيت وما البكاء إلا حيلة الضعفاء.. لكنها إرادة الله. قال لي الطبيب إن ما أصابها كان نتيجة ارتفاع شديد في درجة حرارتها أثر علي خلايا المخ, وقبلت مشيئة إلهي, وامتثلنا للعلاج الذي كسرتنا تكاليفه.. عمل زوجي ليل نهار وتحسن حال ابنتنا. بدأت تتحرك ثم بدأت تتكلم, لم تسعنا الفرحة, اجتهد زوجي أكثر وأكثر وكبرت ابنتنا حتي وصلت إلي سن خمس سنوات ونحن نواظب علي العلاج, لكن دائما ما تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن, انهارت فرحتنا, أتي الظلام علي حياتنا, مات زوجي الشاب بلا مرض بلا مقدمات وبقينا نحن أنا والثلاثة أطفال بلا سند ولا معين منذ يوليو الماضي.. فليس لي عمل ولا أحمل شهادة إذ أنني بالكاد أكتب اسمي, ولا أجيد صنعة ما, ولم تكن لدينا أية مدخرات.. فعلاج ابنتنا كانت له الأولوية علي كل شئ حتي الطعام, ساءت أحوال الطفلة وعادت للتعثر في الكلام والحركة, ذبلت شيئا فشيئا أمامي وأنا عاجزة عن إنقاذ طفولتها التي تذبل ولا أملك قدرة علي فعل شئ, لجأت إلي الكنيسة ولكن الحمل ثقيل جدا فجرعة الدواء الشهرية تقدر بعبوتين الواحدة سعرها 580 جنيها -strattrra 50 مليجرام- فمن أين لي بهذا المبلغ؟ ذلك بخلاف قيمة العلاج التي تصل تكلفته إلي 200 جنيه شهريا وتتحمله الكنيسة عني.. لجأت إليكم لعلني أجد سبيلا لإنقاذها.
أنهت الأم كلامها والحروف تتوه بين الدموع .. وقد غاصت ملاكها الصغيرة في نوم عميق علي كتفها.. لم تطلب شيئا.. لم تنتظر الرد, تحركت من فوق مقعدها, لملمت أوراقها من تحاليل وتقارير طبية, واستعدت للرحيل, لم أجد كلمات علي لساني لمواساتها ففي أي فجيعة أواسيها؟ هل في رحيل الزوج الشاب.. أم في مأزق الحياة التي تفرض عليها احتياجا لا تعلم من أين تسدده, أم في الانتكاسة التي أصابت ابنتها بسبب شح الحال؟ ربت علي كتفها وقلت لها: سوف يسدد الله ما يعجز البشر عن سداده فهوني عليك.
لم تكن تلك الحالة هي الوحيدة التي أتت من جوف الصعيد تشكو من ضمور في المخ بل جاءت حالة أخري من نفس البلدة, ويا لغرابة الأقدار فالطفلة الأخري تحمل نفس اسم الطفلة الأولي ويعمل والدها أيضا نجارا لكنه علي قيد الحياة, إنها فتاة في التاسعة من عمرها, ترتيبها الوسطي بين إخوتها.. كلهم أبناء عاديون إلا هي, لعب الجهل والإهمال دورا لا يستهان به في حالتها, فالأم ترعي أربعة أبناء بخلافها.. وتستند إلي الزمن الذي بدوره -من وجهة نظرها- كفيل بعلاج الصبية, ظلت ترتكن إلي الزمن إلي أن مالت الأيام وفقدت الصبية حركتها تماما.. جاء والدها حاملا إياها جسدا هزيلا نحيفا لينا لا يقوي علي الوقوف ولا الكلام, أعين زائغة لا تنم إلا عن اللاشئ.
تتبول لا إراديا فحالتها تسوء يوما بعد يوم بسبب الإهمال.. قالت والدتها: عالجناها لكن الطبيب أكد أن العلاج يستغرق وقتا طويلا وسعره غالي جدا 580 جنيها كل 14 يوما والحالة متأخرة ولا أعلم من أين نأتي بكل هذه الأموال فنحن أناس بسطاء.. أشعر بالذنب تجاه ابنتي وما بيدي حيلة ولا طريق أمامي إلا أنتم, جئت حاملة وجيعتي وآلام ابنتي ربما أجد شفاء لها في قلوب الرحماء.
لم أتمكن من السيطرة علي مشاعر الغيظ التي انتابتني من الأم للحظة فانفعلت عليها قائلة: أوتنجبين أبناء ترعينهم وتتركين من تستحق العناية.. أي ضمير هذا الذي احتمل هذه الجريمة.. أو تهتمين بهم وتهملينها.. أعترف أنني أخطأت إذ حملتها ما لا طاقة لها به ففي النهاية هي أم وامرأة قادمة من ثقافة الصعيد المؤمن بالعزوة وكثرة البنين.. آتية من رحم الفقر وضيق ذات اليد.. وليس لها ذنب فيما أصاب صبيتها.
تساءل البعض ممن رأوا الصبيتين ماذا لو توفر لأسرتيهما العلم والوعي والمال ربما نالتا الشفاء, ربما لم تتدهور حالة الصبية ذات التسع سنوات.. ربما وربما, ولكن لهؤلاء ولأسرة الطفلتين أقول: لم يمنع العلم والمال والوعي مرضا أو حجمه.. ولم يشف داء ولا غيره.. وكم من أثرياء تمنوا كسرة خبزة أو قليلا من حبات الفول التي يحيا علية الفقراء.. وكم من قادرين عاشوا بمرارة الحسرة علي أطفالهم الذين ولدوا بعاهات أو عيوب خلقية أو كانوا من ذوي الإعاقات الذهنية, فلكل منا تجربته في الحياة.. لكن أبدا لن يتركنا الله نغرق فيها بل يعطي التجربة ومعها المنقذ ليرفع عنا عناء الاختبار حتي وإن كان ذاك الاختبار في أبنائنا.












