اذا كانت الكتابة بالنسبة لى تمثل حفرا للذات أسعى من خلاله الى الادراك والمعرفة والارتقاء ، فان لحظة الامساك
بالورق والقلم لأكتب عن أمى تمثل بالأحرى لحظة عزيزة نادرة وفاصلة تأخذنى شيئا فشيئا من العالم المنظور بكل نقائضه
ونقائصه الى عالم آخر جدير بالكتابة أن تسبر أغواره وان كانت لاتقوى على وصفه وتوصيفه…
حقا ياأمى ..من أين أبدأالحديث عنك ؟وماذا أكتب ؟ لن أكتب لكم عن أمى التى كابدت المشقة وسهر الليالى والتضحيات فى
تربيتنا نحن الأشقاء ..فهذه كلها قد تكون من طبيعة الأشياء ..لكننى سأحدثكم عن أمى التى لايعرفها أحد …
أمى .. التى كابدت فقد الأبناء فى أعمار متفاوتة ..فقالت : “الر أعطى الرب أخذ فليكن اسم الرب مباركا ”
أمى .. التى علمتنى أن أمسك بالقلم قبل أن ألتحق بالمدرسة ، فكانت تمسك بيدى لأكتب الحروف الأبجدية وأفكر فى مسائل الحساب ..
أمى .. التى طالما اصطحبتنا صائمين منذ الصغر الى الكنيسة صباح كل أحد ..
أمى .. التى عنفتنى عندما دخلت “مصلى ” المدرسة الابتدائية دون أخلع الحذاء وقالت : ان المسجد لدى أخوتنا المسلمين شأنه شأن الكنيسة لدى المسيحيين ..
أمى .. التى دائما ما تذوقنا متعة صحبتها فى وسط البلد وشوارع قصر النيل .. سليمان باشا ..26 يوليو ..لشراء ملابس العيد
أمى .. التى تهللت فرحا عندما رأت اسمى منشورا للمرة الأولى فى بلاط صاحبة الجلالة ..واحتفلت معى بأدائى للقسم بنقابة الصحفيين …
أمى .. التى رأيتها تقبل يدى أبى فى مرضه وتسهر الليالى الى جواره باكية متضرعة الى الله أن يمد يده بالشفاء ….فخبرت كم تكون
محبة الزوج وكيف يكون الاخلاص حتى نهاية الرحلة …
أمى .. التى عانت آلام الأسنان المبرحة ورفضت حتى الذهاب للطبيب خشية أن تداهمها مخاطر التخدير المؤدية الى الموت أحيانا فى هذه السن المتقدمة ..حتى لاأغتم حزنا عليها فى فترة خطبتى فيتعطل أمر زواجى ..!
أمى ..التى أهدتنى يوم زواجى وصية حب أسرة الزوج كأسرتى واحترام الحماة ونوال بركتها (على حد تعبيرها ) ..
أمى .. التى بكت ليلة زفافى فرحا قائلة : ” أراك على كرسى الاكليل. .” ورأيتنى ياأمى أنعم بحياة زوجية آمنة وهادئة ..
أمى ..التى أبت ألا أحتفل معها بعيد الأم منذ عدة أعوام ، حرصا على مشاعر زوجى الذى كان قد مضى على رحيل والدته
عنا فى ذلك الوقت شهور معدودة ..
أمى .. التى كثيرا ماتخفى عنى مرضها وأوجاعها اشفاقا على من الخوف والقلق ..انه قلب الأم ( كما تقولين ياأمى ) قد أكون لم أختبره ماديا لأننى لست أما بالجسد لكننى خبرته روحيا منك وبك ..
أمى ..ماذا أقول لك فى عيدك ؟ لاتوجد كلمات ..بل لاتوجد صفحات تسع مايعتمله قلبى نحوك وما أصبحت تؤول اليه اشتياقات
نفسى اليك يوما بعد يوم ..أذوب ضعفا وحنينا تجاه وجودك وكونك تنعمين بالحياة على الدوام ..هذا الوجود الذى أخاله يغطينى فلا أعود بعد عارية مكشوفة الظهر ..أسند اليه رأسى فلا أعود أتهاوى ..
أمى ..يامن تحملين الكون كله فى راحة يدك ..فاذا ماغضبت ضاق بى واذا ما رضيت فرح الكون وطرب ..حبا وأشواقا ..وعمرا سالما مديدا ياأمى ..
ADVERTISEMENT



















