شهدت الأيام الماضية احتقانا طائفيا, ومساجلات إعلامية ملتهبة, جلبت كثيرا من القلق علي حاضر ومستقبل الوطن.
وأمام هذه الموجة الخطيرة من التوتر الطائفي, سارع عدد كبير من المفكرين والمثقفين ومنظمات المجتمع المدني للمطالبة بإعلاء صوت العقل والمصلحة العامة للتصدي لهذه الموجة العاتية, فأصدر المجلس القومي لحقوق الإنسان بيانا يؤكد فيه علي ضرورة إعلاء حقوق المواطنة وكفالة حرية الاعتقاد, كما أصدرت 18 منظمة حقوقية و124 من أساتذة الجامعات ونشطاء المجتمع المدني والسياسي بيانا يحذرون فيه من تصاعد الفتنة الطائفية.
وتضمن البيان فقرات متعددة تعبر عن القلق من احتدام المشكلات الطائفية.
إننا مقبلون علي منعطف جديد شديد الخطورة, فالتشنج أصبح واضحا علي الطرفين, من مظاهرات في المساجد والكنائس وتصريحات غير منضبطة تنضح بالكراهية والطائفية من رجال دين مسلمين ومسيحيين, واتهامات للكنيسة بأنها أصبحت دولة داخل الدولة وما يتبع ذلك من مزاعم تخزين أسلحة داخل الأديرة والكنائس, يقابلها اتهامات بوجود جماعات إسلامية لخطف المسيحيات وأسلمتهن قسريا بتواطؤ من أجهزة الأمن.
وفي هذا السياق فإننا نؤكد علي مسئولية الدولة بكافة أجهزتها عن ما حدث ويحدث من صراعات طائفية والراجع إما لسكوت تلك الأجهزة أو للتقاعس والإهمال أحيانا أخري عن التدخل بحسم وحياد ضد الجناة والاكتفاء بالتعتيم والتضليل والتشويش الإعلامي المتعمد مما يزيد من الحنق الطائفي المرتبط باختلاق المزاعم والأكاذيب من كلا الجانبين.
إن حرية العقيدة حق مكفول لجميع المصريين بحكم الدستور والمواثيق الدولية التي وقعت عليها مصر, والدولة مطالبة بكفالة هذا الحق لجميع المواطنين وحمايتهم من التعرض لأي ضغوط تتنافي مع ممارستهم الحرة له. وبهذا الصدد فإننا نطالب النائب العام بتحقيق جدي وشفاف حول مزاعم خطف بعض المسيحيات – خاصة القاصرات منهن – بغرض إجبارهن علي دخول الإسلام, وكذلك في جميع الادعاءات حول تواطؤ بعض رجال الأمن في التستر علي مرتكبي هذه الجرائم بل ومساعدتهم.
إن البلاد علي شفا تصاعد لأعمال عنف طائفي غير مسبوق يهدد وحدة الوطن وسلامه الاجتماعي, الأمر الذي يتحتم علي كل صاحب ضمير أن يواجهه بكل قوة, فالصمت مشاركة في الجريمة.
وعلي القيادات الإسلامية في الأزهر ودار الإفتاء التصدي لدعاوي تخوين الأقباط والتحريض علي كراهيتهم ومقاطعتهم.
وعلي الكنيسة القبطية أيضا الخروج عن الصمت والتجاهل لشكوك الناس حول اختفاء السيدتين وفاء قسطنطين وكاميليا شحاتة, والتحرك بشكل جدي وشفاف لطمأنة الرأي العام وتبرئة ساحتها من تهمة احتجاز مواطنتين قسرا لإجبارهما علي البقاء في الديانة المسيحية.
وتعقيبا علي تلك التوترات التي شهدها المجتمع مؤخرا, صرح المستشار مقبل شاكر نائب رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان لـوطني:
أن المجلس أبدي انزعاجه مما حدث, وطرح أعضاء المجلس هذا الموضوع لما له من تأثير بالغ علي المجتمع, وتم إصدار بيان يعبر عن موقف المجلس, بالإضافة إلي الإعداد لمؤتمر حقوق المواطنة في نوفمبر المقبل الذي ينظمه المجلس, وسيتم فيه تجديد الدعوة لإقرار قانون دور العبادة الموحد, وقانون تكافؤ الفرص, ومناقشة ما حدث في المجتمع من توترات طائفية تهدد استقراره, خاصة أن المجلس لايزال مصرا علي ظهور هذه القوانين للنور في أسرع وقت للحفاظ علي استقرار المجتمع والعيش المشترك بين المصريين.
من جانبها صرحت ابتسام حبيب عضوة المجلس لـوطني أن السجال الديني الذي ظهر مؤخرا حاز علي جانب كبير من اجتماع المجلس الشهري, واقترح الدكتور أحمد رفعت عضو المجلس مناقشة ارتفاع حدة التصريحات الصحفية التي تمس العقائد وتأثيرها السلبي علي استقرار المجتمع, واتفق أعضاء المجلس علي ضرورة مواجهة هذا الموضوع بحسم, والإسراع بمخاطبة الحكومة والإعلام من أجل تهدئة المناخ الحالي والعودة للاستقرار.
أكدت ابتسام حبيب علي ضرورة وضع ضوابط للنشر الإعلامي في مثل هذه الموضوعات الحساسة, وأن يلعب الإعلام دورا مهما في استقرار المجتمع بدلا من البحث عن الإثارة, بالإضافة إلي ضرورة قيام الحكومة بتنفيذ ما تعهدت به بشأن إقرار قوانين دور العبادة وتكافؤ الفرص وكفالة حرية الاعتقاد, وإعلاء القانون علي الجلسات العرفية, خاصة أن التلكؤ في إصدار هذه القوانين يزيد فتيل الأزمة.
وفي هذا الإطار قال الدكتور أحمد رفعت عضو المجلس إن تزايد التصريحات الإعلامية من الطرفين الإسلامي والمسيحي سيكون له تأثير خطير علي المواطنين البسطاء, وربما ينجرف البعض للتطرف واتخاذ خطوات غير حكيمة, ولذلك تدخل المجلس القومي في هذه الأزمة مطالبا الجميع بضبط التصريحات والدفاع عن التعايش المشترك واحترام حقوق المواطنة, وانتشال المجتمع من حالة السجال الديني, خاصة أن المجتمع يمر بمرحلة مهمة ستشهد الانتخابات البرلمانية ثم الرئاسية وبالتالي لابد من الحفاظ علي الاستقرار المجتمعي, والحرص علي وجود رسالة إعلامية محايدة لا تلعب علي الإثارة وإنما تركز علي الاستنارة والوحدة الوطنية.
رفض بهي الدين حسن رئيس مركز القاهرة لحقوق الإنسان تصريحات الدكتور محمد سليم العوا مشيرا إلي أن الاعتذار وحده غير كاف لأنه تسبب في مشكلة تتجاوز الرأي إلي درجة تنفيذ وتوجيه اتهامات ووقائع ولم يقدم دليلا واحدا عليها, وهذه الاتهامات ليست بسيطة ولا يجب مرورها مرور الكرام لأن قائلها ليس شخصا عاديا بل شخصية لها وزنها وهو ما يساهم في زيادة الاحتقان الطائفي وزيادة الإشكالية.
في حين طالب اللواء فؤاد علام الخبير الأمني بعدم تناول تصريحات الدكتور العوا والأنبا بيشوي إعلاميا في الفترة الحالية متهما الإعلام بأنه يسبب المزيد من الاحتقان الطائفي, وعلي العقلاء أن يهبوا لإنقاذ مصر من الفتن الطائفية.
ورحب علام بمبادرة الدكتور أحمد كمال أبوالمجد الحقوقي المعروف بمحاولة إجراء المصالحة بين الدكتور العوا والأنبا بيشوي وخاصة أنهم بصدد المصالحة وإصدار بيان مشترك والاعتذار عما حدث.
وأشار الدكتور محمد منير مجاهد رئيس جماعة مصريون ضد التمييز الديني إلي أن تصريحات كل من الدكتور العوا والأنبا بيشوي تصب الزيت علي النار, ولذا نطالب الدولة والكنيسة والأزهر بتشكيل لجنة عليا تشكل من قبل رئيس الجمهورية لمواجهة مثل هذه الأحداث والتصريحات.
أوضح مجاهد أن اعتذار العوا ليس كافيا وإنكاره لتصريحاته وسوء فهمها من قبل البعض هو استخفاف بالعقول لأن تصريحاته مصورة صوتا وصورة وموجودة في كل مكان, كما أنه ليس مجرد داعية إسلامي ولكنه رجل قانون ويعلم جيدا أن المتهم برئ حتي تثبت إدانته وهو ما حدث في واقعة الأسلحة في بورسعيد التي أخلت النيابة سبيل المتهمين, والعوا بذلك يستهين بالقانون ويستفز مشاعر العامة حتي لو اعتذر لأن اعتذاره يفسر علي أنه جاء نتيجة الضغوط عليه.
واتفق الدكتور عمار علي حسن الباحث في الشئون الإسلامية علي أن تصريحات الدكتور العوا والأنبا بيشوي ليست مبنية علي أسس علمية أو حقيقية, فحديث العوا عن أن الكنيسة مخازن للأسلحة مغالطة كبري لأنه ببساطة الأمن في مصر يعلم كل كبيرة وصغيرة سواء في الكنيسة أو الجامع أو حتي منازل المصريين, في حين حديث الأنبا بيشوي عن الاستشهاد يختلف لأن الذي يتابع تاريخ الكنيسة عبر العصور يعرف أن الاستشهاد ليس مقصودا به الحرب والإرهاب وإشهار السلاح وإنما الإصرار علي المواقف والتمسك بها وبالإيمان المسيحي.
وأضاف عمار بأنه في الوقت ذاته فإن تصريحات الأنبا بيشوي بأن المسلمين ضيوف علي مصر هو عكس التطور الطبيعي فليس معقولا أن يكون كل المسلمين الحاليين هم نتاج الـ4000 جندي الذي جاءوا مع عمرو بن العاص, إبان الفتح العربي.
ورأي عمار أن اعتذار العوا ليس كافيا لأن تأثيره علي العامة في منتهي الخطورة خاصة أنه تلاقي مع الكلام الذي يرددونه منذ فترة, ومع قامة العوا لدي المسلمين فإن كلامه يكون مؤثرا خاصة أنه كان معتدلا في السابق ولكن تصريحاته الأخيرة غير مسئولة وليست في مصلحة المسلمين أنفسهم أو المسيحيين في ظل الظروف التي يعانون منها من قمع وقهر من قبل الدولة التي تعد الأنفاس علي المصريين.
وأكد عمار بأن علينا أن نعمل بالقوانين الإنسانية وتطبيق مفهوم حقوق الإنسان والمواطنة, أما الإيمان أو الدين فهو لله وهو الذي يفصل بين البشر ويعاقبهم أو يحاسبهم يوم القيامة وليس في الدنيا, ولا مبرر للصراع بين الإسلام والمسيحية.


















