آية شفاء الأعمي تختتم سلسلة الآيات التي نقلتها آحاد الصوم المباركة السابقة, لتؤكد أن يسوع نور العقول والضمائر, وقد قال عن نفسه: ## أنا نور العالم##. (يو12/8). بإعادة البصر للأعمي, كشف لنا أنه هو النور وحده, وأن لا أحد يستطيع أن يعطي ما لا يملك.. فافتحوا أذهانكم لكي تروا أن الأهواء النفسانية تظلم بصيرة الإنسان علي قدر ما ينير الله ذهنه. ولتعلموا أن بعض الناس في هذا العالم يصابون بالشدائد لكي يتمجد بهم الله تعالي.
##لا هذا أخطأ ولا أبواه لكن لتظهر أعمال الله فيه##. إن يسوع المسيح الكلي الحكمة بجوابه هذا الوجيز قد قوض الأفكار التي كانت عند اليونانيين الفريسيين. لكن السؤال الذي يطرح كيف ظهرت أعمال الله فيه؟
إن سؤال التلاميذ يتضمن شكا في العدالة الإلهية, ولوما لله كأنه هو مسبب العاهة. ما كان جواب المسيح؟ قال لهم: ##لا هذا أخطأ ولا أبواه, لكن لتظهر أعمال الله فيه##. ما نستشفه, بدءا, من هذا الجواب القاطع هو أن العاهة ليست نتيجة مباشرة لخطيئة معينة ظرفية يرتكبها صاحب العاهة أو والداه. أما كيف تظهر أعمال الله في الأعمي, فهذا ما يفسره لنا اللقاء بين يسوع واثنين من تلاميذ يوحنا أوفدهما هذا الأخير ليسألا يسوع: ##أأنت (المسيح) الآتي أم آخر ننتظر؟##, فقال لهما يسوع: ##اذهبا فأخبرا يوحنا بما سمعتما ورأيتما: العميان يبصرون, العرج يمشون مشيا سويا, البرص يبرأون والصم يسمعون, الموتي يقومون, الفقراء يبشرون## (لوقا 7: 18-23). إذا, كانت الآيات والعجائب علامات تدل علي مجيء المسيح المنتظر وبدء عهد جديد, وما أعمال الشفاء التي كان يقوم بها المسيح سوي أعمال هدفها مجد الله, إذ كانت برهانا ساطعا لاقتراب ملكوت السموات. من هنا نستطيع أن نقول إن قصد يسوع بقوله: ##لتظهر أعمال الله فيه## ليس أن الله خلقه كفيفا لا يري ليجري عليه الآية, إنما المقصود هو أن شفاء الأعمي وصيرورته تاليا إنسانا جديدا هو شكل من أشكال تمجيد الله وإعلان ملكوت السموات.
صنع الرب يسوع الطين, أي أعاد جبلة العينين, فصناعة الطين تذكرنا بالخلق حين جبل الرب الإنسان من التراب. يرد في تقليد الكنيسة أن الأعمي مولود دون مقلتين, وهذا يعني أن الرب يسوع قد خلق له مقلتين, فهو لم يعد إليه البصر بل أعطاه بصرا كما لو أنه أعاد خلقه من جديد.
الحيرة التي أصابت معارف الأعمي تشير إلي أن ما حدث كان من المستحيلات, لذلك أخذ البعض يقولون إنه يشبهه. تعاد قصة الشفاء عدة مرات في النص ليشير الإنجيلي أنها صارت حديث الناس بمن فيهم الفريسيون الذين انقسموا بالرأي ##ووقع بينهم شقاق##. يسوع تعدي شريعة السبت إذ صنع طينا, وهذا كان بحسب الشريعة عملا. أراد الفريسيون أن يثبتوا أن الرب يسوع ##ليس من الله لأنه لا يحفظ السبت##, وأخذوا بفتح تحقيق واستدعوا أبويه, ثم عادوا وطلبوا من الأعمي سرد الحدث مجددا.
##أتؤمن أنت بابن الله؟##. عجيبة الشفاء تخفي في طياتها إعلانا إلهيا حاسما. لا يكفي أن تكون النتيجة مجرد تغيير في الظاهر بل يجب أن تتخطي الظاهر إلي العمق. لا ضرورة للمعجزة ما لم تأت بتغيير شامل. هكذا تابع الرب يسوع المعجزة إلي النهاية وبحث عن الأعمي ليهبه الثمرة وهي الإيمان بأن الله هو النور الذي به نعاين النور.
وفي نهاية المطاف ليست غاية يسوع من الشفاءات التي أنجزها أن يعود الإنسان صحيحا سليما في الجسد وحسب, بل غايته الأولي والأساسية هي شفاء الروح من الشر والخطيئة0 فماذا ينتفع الإنسان من صحة جسده إذا لم تقده إلي التوبة والدخول في سر الله؟.


















