أتي شاب إلي يسوع ليسأله عن أفضل الطرق التي تقود إلي الحياة الأبدية. ومن قراءتنا للنص نعلم انه كان صادقا في طلبه, إلا انه كان أيضا محبا للمال, وهكذا أضاع كل شيء. فالإنسان عندما يحافظ علي كل الفضائل ويقع في حب المال, يضيع عندئذ كل ما اكتسبه من فضائل. ولذلك يحذرنا بولس الرسول قائلا عن حق ## لان محبة المال هي أصل لكل الشرور## (1 تيموثاوس 6: 1)
##ماذا اعمل من صلاح لتكون لي الحياة الأبدية؟ ##. ينطلق سؤال هذا الشاب من الفكرة اليهودية التي تعتبر بان الحياة الأبدية يمكن للإنسان أن يكتسبها بالإعمال الصالحة التي يقوم بها. فكان جواب يسوع له بأن الصلاح هو صفة من صفات الله وحده. ولا يمكن لأي إنسان مهما بلغ من الكمال أن يعمل أي شيء صالح بمعزل عن الله.
##إن كنت تريد أن تدخل الحياة فأحفظ الوصايا, فقال له أية وصايا##. لا يهدف الشاب هنا إلي تجربة يسوع بل اعتقد إن هناك وصايا أخري غير التي في الناموس باستطاعتها أن تمنحه الحياة الأبدية. وبعد إن طلب منه يسوع حفظ وصايا الناموس أجاب: ## ماذا ينقصني بعد؟ ## هذا يدل علي أن هذا الشاب كان مؤمنا بأن يسوع قد جاء بتعليم جديد, وان وصايا الناموس ليست كافية للوصول إلي ما يشتهيه.
##إن كنت تريد أن تكون كاملا ##:يكشف لنا جواب المسيح إن ذلك الشاب كان حقيقة قد حفظ الوصايا وبالتالي فهو يستحق الحياة الأبدية, لكن يسوع يريد منه كمالا أوفر ويريد أن يلحقه بتلاميذه, لذلك يطلب منه أن يبيع أملاكه ويوزعها علي المساكين. هذا هو تعليم التجرد الذي بسطه المسيح في الإنجيل, والذي يضعه شرطا لإتباعه. رفض هذا الشاب مشورة التجرد لأنه متعلق جدا بالخيرات الأرضية. هذا الإنسان عرف يسوع وانجذب إليه, ورغب بصدق في الالتحاق به, لكن عائقا حال دون إتباعه ليسوع. هذا الإنسان حزن لأنه أحب يسوع وأراد أن يتكرس له, لكنه استصعب ترك المال. حزن لان عليه أن يترك كل شيء لإتباع يسوع.يقف المال والغني حاجزا دون الإتباع. يطلب يسوع من الشاب أن يبيع كل شيء ويتبعه. كما هو واضح في هذا النص, ترك المال والغني ليس غاية في ذاته بل استعداد لإتباع يسوع. لأنك لا تستطيع أن تخضع نفسك لله وأنت عبد سيد آخر. هذا ما قاله يسوع. الإتباع هو الغاية وهو الضامن لملكوت السماوات.
فحزن الشاب. لم يسره أن يترك ماله ليتبع سيدا جديدا هو معطي الحياة. واستكمالا لما سبق يسوع وقاله عن أنه لا يمكنه خدمة سيدين, الله والمال, يقول هنا إن الأغنياء يستحيل أن يدخلوا ملكوت السماوات, بسبب عدم استعدادهم للتخلي عن مالهم, وهذا شرط ضروري لإتباعهم يسوع. ليس الغني سيئا بحد ذاته, ولا الفقر جيد بحد ذاته. يمكن أن يتحول الغني إلي خير أو شر وفقا لنية الإنسان وإرادته.الغني يصبح شرا عندما يعبد كرب: ##لا تقدرون أن تعبدوا الله والمال## (متي 6: 24). أما الفقر فهو حالة النفس التي تقبل الترك والتخلي والانفصال عن كل شيء يحول دون الوصول إلي الله. لذلك قبل أن يكون الفقر ماديا أي تخليا عن المادة, يكون فقرا روحيا أي تحررا من كل تعلق بالأمور الدنيوية. طلب يسوع من الشاب الانفصال عن الغني, وهذا عمل بطولي لم يقدر علي القيام به. من السهل أن نصلي وان نصوم وان نقدم الذبيحة وان نعطي العشور من أمولنا وان نحفظ الوصايا كلها التي أمر بها الله,لكن أن نتخلي عن مالنا, عن سلطتنا فهذا صعب للغاية, ولا بد لتحقيقه من بطولة. فليس التخلي عن الخيرات هدفا بحد ذاته, بل إتباع المسيح, والسير علي خطي المسيح, فالتلمذة ليسوع هي الحياة الأبدية.
عند الناس فلا يستطاع هذا, وأما عند الله فكل شيء مستطاع##. إن قدرة الإنسان علي التحرر من كل شيء لأجل المسيح و قدرته علي ترك الغني والسلطة لأجل إتباعه هو نعمة خاصة من الله. فالله وحده قادر أن يذلل الصعاب ويزيل العقبات. انتهي المسيح إلي تعليم جديد قلب الفكر السائد, وهو أن الإنسان الذي يريد نيل الحياة الأبدية ليس عليه القيام بعمل ما بل أن يتخلي عن كل شيء في سبيل تلك الغاية.
إن تعليم هذا الإنجيل دفع الرسل إلي الذهول والدهشة حتي أنهم صرخوا قائلين ##إذا من يستطيع أن يخلص## (متي 91:52) وأما يوليانوس الجاحد الذي ترك الدين المسيحي لضياع رشده وعمي بصيرته قد أذهلته هذه التعاليم جدا حتي قال أنها ضرب من المحال. وماذا يا تري يعتقد مسيحيو هذا العصر؟ إن جماعة منهم يبهتون منها مثل الرسل, وآخرون لا يؤمنون مثل يوليانوس الملحد.
غير أنه بالحقيقة ليس هناك ما يدعو للدهشة والذهول ولا لعدم الإيمان لأنه أمامنا أمثلة لا تحصي لناس قد احتقروا الغني والمجد ووصلوا إلي درجة الكمال. ولأناس آخرين من أغنياء العالم وأشرافه قد حفظوا وصايا الله. فورثوا الملكوت السماوي والحياة الأبدية. ومما لا شك فيه أن تعليم المسيح نحو الكمال هو لصعب علي الإنسان ولكنه ممكن وسهل بفعل نعمة الله القادرة علي كل شيء. فمن أراد الانطلاق إذا عليه أن يرمي الأحمال ويدبر أمواله بمقاسمتها بحكمة, متخليا عن كل عشق وعن كل انشغال, ومتكلا علي الله, ليتحقق قول السيد المسيح: ##ما لا يستطاع عند الناس مستطاع عند الله##, وسنختبر أننا نجد عند الله ما لا نجده عند الناس أي ##الحياة##. والحياة الأفضل.


















