عاش ابن المقفع في مدينة الأشمونين في قرية الروضة التابعة لمدينة ملوي في القرن الرابع,وتتميز هذه المدينة بالبقاء حتي اليوم محتفظة باسمها المصري القديم آشمون مع تغيير بسيط فأصبحالأشمونين.
كانت سياسة البطالمة تهدف إلي طبع مصر بالطابع الأغريقي وأطلقوا علي المدن الرئيسية أسماء يونانية خالصة,وكان نصيب الأشمونين من ذلك أن أصبح يطلق عليهاهرموبرليس مخباأي مدينة هرمز الكبري. ولكن هذا التغيير كان علي الورق فقط,إذ أن الاسم المصري القديم ظل حيا علي ألسنة الناس,فلما زالت دولة البطالمة زالت معها هذه الأسماء الدخيلة التي ألصقوها بالمدن إلصاقا مفتعلا,وواصلت الأسماء المصرية حياتها.
وفي القرن الثالث عشر الميلادي كانت الأشمونين مازتزال مدينة عامرة,بل كانت أيضا ما تزال محتفظة بوضعها كعاصمة للمنطقة المجاورة لها في الصعيد الأدني غربي النيل,كما كان من أبناء الإقليم عدد من المشاهير نذكر منهم ابن المقفع المصري.
تكوينه العلمي والفلسفي
ولد ساويرس حوالي سنة915,من والد لقب بالمقفعأي المنكس الرأس أومن كانت يده متشنجةفعرف ساويرس باسمابن المقفعتربي أفضل تربية,وجمع بين العلوم الدينية والدنيوية,كما يتضح ذلك من حياته ومؤلفاته,واهتم بالفلسفة اليونانية والعربية كما درس علم الكلام فلا نجد مؤلفا من مؤلفاته إلا وفيه رد فلسفي دقيق.
تدرج في الوظائف في عهد الدولة الإخشيدية حتي أصبح كاتبا ماهرا وكانت رتبة الكاتب وقتئذ رتبة مهمة في الدولة حتي إن الوظائف التي قام بها الوزير فيما بعد كان يقوم بها الكاتب في أيام الخلفاء الراشدين والدولة الأموية,وأصبحت وظيفة الكاتب لها مكانتها في الدولة ومنها كان يختار كبار موظفي الدولة.وكان من شروطها أن يكون الكاتب متضلعا في اللغة العربية ملما بعلومها وآدابها وأسرارها,مطالبا بأن يكون ملما بمعلومات عامة في شتي ميادين المعرفة.
بعد أن وصل ساويرس بن المقفع إلي أعلي المناصب تخلي عن وظيفته ليترهب في أحد الأديرة واستفاد من فترة ترهبه,وقرأ مؤلفات معظم الآباء اليونانيين الكبار من لاهوت وتاريخ وطقس وروحانيات.
ذاع صيته بين المسيحيين فاختاره أراخنة الشعب وبارك الأب البطريرك هذا الاختيار ليكون أسقفا علي مدينة الأشمونين.
وفي عهده معجزة نقل الجبل المقطم وجاء في تاريخ بطاركة الكنيسة المصريةأنهكان من جملة الأساقفة,أسقف قديس فاضل علي كرسي الأشمونين,يسمي ساويرس ويعرف بابن المقفع.
ساويرس والخليفة الفاطمي
كانالمعز لدين الله الفاطميمؤسس الدولة الفاطمية (969-975م)رجل علم وأدب وكان يقضي أيامه في الدرس والبحث وكان يجيد اللغات محبا لأهل العلم فقرب إليه البابا إبرام بن زرعه والأسقف ساويرس بن المقفع,ولغزارة علم الأنبا ساويرس وقوة حجته,وسرعة بداهته كان البابا إبرام بن زرعة يصحبه معه في لقاءاته مع المعز لدين الله الفاطمي.
كثيرا ما كان أنبا ساويرس يتفوق في المناظرات والمحاورات التي كان يعقدها الخليفة الفاطمي في قصره,وهنا نذكر المناظرة التي قامت بين الأسقف ساويرس والوزير اليهودييعقوب بن كلس وصديقهموسي اليهودي وكانت له أيضا لقاءات مع القديس الواضح بن الرجا الذي قص عليه قصةالهاشمي أحد أمراء العراق وكان متشككا في تحول الخبز إلي الجسد المقدس فرأي في حلم الجسد في شكل طفل صغير في الصينية,فكف عن الهجوم علي الكنائس وآمن بالسر المقدس وكف عن أفعاله في تشكيك أبناء الكنيسة.
ذكردكتور عبدالله خورشيد في مؤلفهأوراق مصرية عن نيافة الأسقف ساويرس بن المقفعفي أوائل العصر الفاطمي كان يجلس علي كرسي الأسقفية بالأشمونين رجل فاضل من أبنائها يسمي ساويرس,واشتهر بابن المقفع بدأ حياته كاتبا ثم اشتغل بالدين,أحبه الخليفة الفاطمي الأولالمعز لدين الله وقربه إليه وجعله من الشخصيات الدائمة في مجلسه…
يمكننا أن نتبين بوضوح ملامح شخصية الأنبا ساويرس بن المقفع الفريدة من ثنايا مؤلفاته التي تعكس الجوانب الآتية:
*كان ملما إلماما تاما بالكتاب المقدس متعمقا في فهمه مما أكسبه مهارة في كثير من الدراسات والمناظرات التي كان يحضرها خاصة في ديوان المعز لدين الله الفاطمي.
*كان علي وعي كبير بجوانب الحياة المسيحية مما مكنه من التعرض لعقائد الكنيسة وطقوسها موضحا الأصول الإيمانية لها في نحو عشرين كتابا كما ذكر الأنبا ميخائيل أسقف تينس,ومن المؤرخين من يحصي له منها ستة وعشرين مؤلفا كأبي البركات المعروف بابن كبر.
*تعكس مؤلفاته العديدة سعه معارفه وتنوعها في مختلف علوم الكنيسة مما أدي إلي انتشار كتاباته وذيوع صيته خارج مصر.
*كان يجيد العربية والقبطية واليونانية فكان ذلك من دواعي غزارة علمه.
*كان يهتم بتبصير أبناء شعبه بالحقائق الإيمانية والروحية وكان يستخدم الأمثلة مع الإيضاح والشرح,مع استخدام الأسلوب التربوي.
*يعتبرالأنبا ساويرس بن المقفع أبا التاريخ الكنسي إذ وقف جزءا كبيرا من حياته علي جمع شتات تاريخ بطاركة الكرسي المرقسي من مختلف الأديرة خاصة ديري أبو مقار ونهبا حتي أنجزه وهو في الثمانين من عمره,فكان عملا عظيما تمثل في كتابتاريخ البطاركة من مرقس الرسول حتي البابا شنودة الخامس والخمسين في عداد البطاركة وترجم هذا المؤلف إلي لغات عديدة منها اللاتينية والإنجليزية والفرنسية,كما نشرت بعض أجزائه باللغة العربية نظرا لما له من أهمية إذ يعتبر من أهم المصادر سواء لتاريخ الكنيسة أو لتاريخنا القومي.
*كان لدراسته علوم عصره أثرها في تقديم البراهين في تسلسل منطقي رائع في مقدره العالم المتمكن من أصول المنطق والفلسفة.
مؤلفاته: وضع الأنبا ساويرس بن المقفع أكثر من عشرين كتابا-وصلت كما ذكر أبو البركات في قائمة كتبه إلي ستة وعشرين مؤلفا,طبع وترجم معظمها إلي لغات كثيرة,وتناول معظمها موضوعات لاهوتية وفلسفية,وذكرت قائمة مؤلفاته في كتاب مصباح الظلمة في إيضاح الجذورلأبي البركات بن كبر ذكرت أيضا في سيرة البابا فيلوثاؤس البطريرك63.
من هذه المؤلفات:
مصباح العقل,إيضاح الاتحاد,الدرالثمين في إيضاح الدين,تفسير الإنجيل,البيان المختصر في الإيمان.
ومن أبرز ما ألفه الأنبا ساويرس بن المقفع كتابتاريخ بطاركة كنيسة الإسكندريةالمعروف باسم:سير البيعة المقدسة وعلي الرغم من أن هذا الكتاب يتحدث أصلا عن أخبارالطبقة العليا من رجال الدين المسيحي,فإنه يحتوي علي الكثير من أخبار الحياة العامة في مصر,وهي أخبار بالغة الأهمية إذ تكشف الكثير عن حقائق العصر الذي تتعلق به,واستقي الأنبا ساويرس معلوماته التي صاغ منها هذا المؤلف العظيم من وثائق مكتوبة باللغة اليونانية والقبطية وجد بعضها في أديرة مصر الكثيرة,وبعضها الآخر في أيدي أبناء الأقباط,كما استعان عند جمعه لسير البطاركة بالمؤلفات والمخطوطات الأثرية النادرة في ديري أبو مقار ونهيا الذي يقع شمال غرب الجيزة, واستعان بمن يتقن اللغتين القبطية واليونانية لنقل ما عثر عليه منها إلي اللغة العربية التي كانت قد بدأت في الانتشار منذ القرن التاسع الميلادي.
ولم يكن الأنبا ساويرس يعرف العربية فحسب إنما كان يجيد التعبير بها تعبيرا أدبيا يحمل طابع العصر الذي عاش فيه,وهذا يؤكد تمكن أقباط مصر من التعبير بهذه اللغة,ويؤكد أيضا اهتمامهم بتعلم اللغة العربية واستعمالها في حياتهم اليومية منذ زمن طويل يرجع إلي القرن التاسع الميلادي,والقارئ لكتابتاريخ بطاركة الكنيسة المصرية سرعان ما يجد كلمات وتعبيرات هي نفس ما نستعمله في لغتنا العامية اليوم,ولكننا نجد أن استخدام المصريين الأقباط اللغة العربية والتحدث بها لايعني إهمالهم لغتهم القبطية.
المصادر:
*أبي البركات المعروف بابن كبر:مصباح الظلمة في إيضاح الخدمة,الجزء الأول.
*الأنبا ساويرس بن المقفع:الدار الثمين في إيضاح الدين.
*الأنبا ساويرس بن المقفع:تاريخ بطاركة الكنيسة المصرية.
*الأنبا ساويرس بن المقفع:مصباح العقل-سلسلة التراث الديني المسيحي.
*عبدالله خورشيد:أوراق مصرية.
*صموئيل السرياني الراهب:تاريخ البطاركة للأنبا ساويرس بن المقفع.














