من ينقذ ما تبقى من عذرية الطبيعة فى مصر؟ من يحمى هذا الوطن من توغل جرافات الاستثمار التى لا ترى فى أركاننا البكر سوى مساحات من الخرسانة وأرقام صماء فى دفاتر الأرباح، بينما تهددها على الجانب الآخر عشوائية الإدارة وغياب الشفافية التى تفرض الأمر الواقع فوق أرض أعلنتها الدولة محمية طبيعية؟
شاطئ »رأس حنكوراب« أو كما يعرف بـ »شرم اللؤلؤ« جنوب البحر الأحمر. هذا الشاطئ القابع فى حضن محمية »وادى الجمال حماطة« بمرسى علم، والصادر بشأنها قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 143 لسنة 2003، ليس مجرد رمال بيضاء ناعمة يمكن بيعها للمستثمرين. إنه كنز طبيعى متكامل ونادر جدًا، صنفت عذريته عالميًا ضمن قائمة صحيفة »ميرور« البريطانية لأفضل 19 شاطئًا فى العالم، والثالث فى الشرق الأوسط. لكن هذا الكنز تحول مؤخرًا إلى محور جدل واسع كشف عن عمق الأزمة التى تواجه المحميات الطبيعية فى مصر. بعد أن تعرض الشاطئ لسلسلة من الانتهاكات، ففى نوفمبر 2024، شهد الشاطئ واقعة تعد انتهت بصدور أمر جنائى من محكمة القصير بتغريم ثلاثة متهمين وتكليفهم بالإزالة على نفقتهم الخاصة. وبعد بضعة أشهر فى فبراير ومارس 2025، ظهرت معدات بناء ثقيلة وتخطيط جيرى على الرمال.
وفجأة صدر قرار صادم عن الاتحاد المصرى للغرف السياحية فى 9 مارس 2025 بإيقاف جميع الزيارات إلى الشاطئ دون إنذار مسبق. حينها بررت وزارة البيئة القرار بإعادة تقييم ممارسات الإدارة، لكن الخبراء والنشطاء البيئيون بينهم أحمد الدروبى »مدير الحملات العالمية فى شبكة العمل المناخى الدولية« كشفوا عن حقيقة الأزمة: كانت هناك أعمال حفر وإنشاءات لبناء فندق وتعديات غير قانونية تهدد النظام البيئى الحرج.
فأى تنمية سياحية تلك التى تجرف التربة فى بيئة فريدة؟ فرأس حنكوراب يضم خط الدفاع الأول ضد تآكل الشواطئ والمتمثل فى غابات المانجروف النادرة التى تفرز الأوكسجين وتفلتر المياه. الشاطئ هو الحاضن الأساسى لأعشاش الطيور المهاجرة، وسلاسل الشعاب المرجانية المصنفة علميًا بأنها الأكثر مرونة وتحملاً لتقلبات المناخ فى العالم.
وبعد حملات المناصرة، وطلبات الإحاطة التى قدمتها النائبتان سميرة الجزار ومها عبد الناصر، تزامنًا مع بلاغات للنائب العام من المركز المصرى للحقوق الاقتصادية والاجتماعية. أجبر هذا الضغط وزارة البيئة على المشاركة فى حوار مجتمعى نظمته الشبكة العربية للبيئة والتنمية »رائد« وجمعية المكتب العربى للشباب والبيئة، بحضور وزيرة البيئة آنذاك فى عام 2025 ياسمين فؤاد، التى أكدت أن ما يحدث فى »حنكوراب« خطة تطوير مبدئية ولا تشمل خرسانات، إلا أن التقارير الصادرة عن جهاز شئون البيئة بالبحر الأحمر نفت صحة تصريحات الوزيرة، مؤكدة أن المشروع الاستثمارى قائم فى الواقع، ولا يمتلك دراسات تقييم أثر بيئى معتمدة من الأساس!
الصدمة الحقيقية فجرها التقرير الميدانى لمؤسسة »إيكوريس« للتنمية المستدامة »الصادر تحت عنوان: شاطئ حنكوراب… نهاية أزمة أم بدايتها؟«، فرغم رصد الفريق لزوال المعدات الثقيلة فى زيارتهم الميدانية فى 30 أبريل 2025، إلا أنهم وثقوا ما هو أخطر: غياب الشفافية والخصخصة المقنعة للمحمية. إذ كشف التقرير عن وجود بوابة حجرية حديثة أقيمت على مدخل الشاطئ، يشرف عليها موظفو أمن مجهولو التبعية، يقومون بتحصيل رسوم دخول مرتفعة جدًا وغير عادلة للمصريين200 جنيه للفرد + 200 جنيه للسيارة عبر تذاكر مبهمة لا تحمل اسم أى جهة رسمية أو حكومية محصلة! والأدهى من ذلك، رصد الفريق خلو مركز خدمة الزوار تمامًا من الموظفين أو المرشدين، ولم يعثروا على أى ممثل لوزارة البيئة يشرف على المكان، سوى عاملين »غير معلومى التبعية« يطلبون من السياح والزوار توقيع »إقرار بعدم مسئولية إدارة الشاطئ عن أى ضرر«!
ذهبت إلى محمية وادى الجمال الأسبوع الماضى وحزنت حينما علمت من الخبراء أن الوضع كما هو فى حنكوراب، فأى استثمار هذا الذى يقابله الانتحار البيئى؟ وهل الاستثمار وجذب الدولارات يكون على حساب تدمير خطوط دفاعنا الطبيعية ضد التغير المناخى.؟ إن »رأس حنكوراب« ملك للمصريين وللإنسانية، وليست قطعة أرض مطروحة فى مزاد علنى صامت. أوقفوا هذا العبث، وحاسبوا المتورطين، قبل أن نستيقظ يومًا فلا نجد بحرًا، ولا شجرًا، ولا شعابًا مرجانية، بل مجرد منتجعات أسمنتية مشوهة تبكى مجد الطبيعة الذى ضيعناه بأيدينا.
لذلك أناشد الحكومة الإعلان عن هوية الجهة المشرفة على الشاطئ منذ 2025 وحتى الآن، ومصير الرسوم المحصلة خلف تذاكر صماء، وتنظيم وجود دائم لمفتشى وزارة البيئة على الشاطئ، كما يجب عمل تحديث تكنولوجى، عبر إدخال طائرات »الدرونز« وكاميرات المراقبة للرصد المبكر لأى أعمال حفر أو تعديات. وإشراك المجتمع المحلى من أبناء قبائل »العبابدة« فى إدارة الموارد لضمان استفادتهم، ووضع معايير عادلة ورخيصة لرسوم دخول المواطنين المصريين لمحمية طبيعية فى بلدهم.



















