تعجز الكلمات حين نود التعبير عن محبة من نحب, وتعجز أيضا حين نرغب في الكتابة عمن يملك قلوبنا, وعمن يعيش ويتربع داخل نفوسنا, وها هي الكلمات تقف حائرة وتظل عاجزة حين شرعت في الكتابة عن أمي رحمة الله عليها, التي رحلت عن عالمنا منذ أسبوعين (الأحد 7يونية), مثلما عجزت سابقا حين كتبت عن أبي رحمه الله, حين رحل عنا منذ نحو أربع سنوات (السبت 25 يونية 2016م), فالأب والأم عمودا البيت, عليهما تقوم الأسرة وتتأسس, هما السند القوي للأبناء وحصنهم المتين, وهما عضد الأحفاد الذي لا ينضب ولا يضمحل, ويمثل غيابهما خسارة كبيرة لا يعوضهما أي شيء, ولا يساويهما كل شيء.
للأم مكانة كبيرة في المجتمع, ظهرت في العديد من القصص والأمثال الشعبية والأقوال المأثورة, كما تجلت في الكثير من الإبداعات الأدبية والأعمال الفنية. وللأم دور مهم في الأسرة, لا يمكن تجاهله, كما لا يمكن تغافله, إلي الحد الذي جعل شاعر النيل حافظ إبراهيم يقول عنها في قصيدته العلم والأخلاق بيت الشعر الشهير الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعبا طيب الأعراق, فهي الأصل وهي الأساس, باعتبارها مسئولة عن رعاية الأطفال وتربية الأبناء, من حيث تنشئتهم تنشئة جيدة, حتي يشبوا مواطنين صالحين يعملون من أجل الخير العام ويحققون الصالح العام, يفتخر بهم المجتمع ويعتز بهم الجميع, فهي ـ مع الأب ـ تسند وتشجع, تؤازر وتعضد, تساعد علي النجاح والتقدم, وتدفع دوما للأمام.
وللأم مكانة عظيمة في جميع الأديان, أكدتها الكثير من الأحداث والمواقف والآيات, ففي التوراة نقرأ وصية الله لشعبه أكرم أباك وأمك لكي تطول أيامك علي الأرض التي يعطيك الرب إلهك, ويكرها القديس بولس الرسول في المسيحية بقوله أكرم أباك وأمك, التي هي أول وصية بوعد, وفي الإسلام ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا.
وفي جميع الأديان برزت سيدات خدمن أسرهم بطهارة وتقوي وبر, منهن أم موسي وأم صموئيل, والسيد مريم العذراء ونسيبتها أليصابات, والسيدة زينب والسيدة عائشة, وأخريات كثيرات صالحات.
إن الأم ركيزة أساسية من ركائز الحياة, وفقدانها أمر صعب لا يمكن تحمله, ورحيلها حدث جلل لا يمكن تصوره أو تخيله, إلا إذا تدخلت معونة الله ونعمته لتعطي أفراد الأسرة وكل محبيها قوة وصبرا وعزاء, وتفيض عليهم بردا وسلاما.
أذكر أنني كنت أشارك إخوتي في رعاية أمي وتلبية بعض احتياجاتها, ولكن العبء الأعظم كان يقع علي عاتق أخي الأكبر إميل, أطلب من الله أن يباركه وأسرته, وأن يبارك أسر إخوتي عفت ووجدي وأسرة أختي الراحلة ميرفت. كنت أظن أنني أقدم لأمي بعضا من خيراتها, وكنت أعتقد أنني أرد بعضا من جميل فضائلها علينا, لكنها في الحقيقة كانت ترد الخير أضعافا, إذ كانت تعطي وتقدم وتخدم, ليس لي فحسب ولكن لزوجتي وأطفالي وجميع أفراد الأسرة أيضا, ولم تكن أبدا تنتظر المقابل, إذ كانت تعطي بسخاء وفرح وسرور, وكان عطاؤها غير محدود وغير مشروط, تقوم بالفعل ولا تنتظر رد الفعل, ما يجعلني أعتقد أنه مهما خدمنا الأب والأم فإننا نظل مقصرين.
وبيت الأب والأم هو بيت العائلة أو البيت الكبير, له مكانة عظيمة وجليلة عند الجميع, فيه يتجمع الأبناء ويلتقي الأحفاد, يتبادلون التحية والسؤال عن مختلف الأحوال, في مودة حقيقية وسلام صادق لا غش فيه, تحت مظلة الأب/ الجد والأم الجدة/ فكان بيت أبي وأمي, ومثله بيت حمايا وحماتي, أكثر البيوت أمنا وسلاما بالنسبة لأطفالي وأطفال إخوتي.
أطلب نياحا في فردوس النعيم لأمي الحبيبة, ولكل أم فاضلة, عاشت حياتها في محبة الله ومخافته, وسارت طريقها في بره وتقواه, تسهر وتعمل وتضحي من أجل سعادة كل عضو من أعضاء أسرتها في محبة حقيقية لا تعرف إلا لغة البذل والعطاء والسماحة والبساطة والحنان والعطف.
أمي الحبيبة.. أثق تماما أنك الآن في مكان أفضل, وأن لك في السماء مكانة مرموقة ولائقة, ترين مجد الله وتتمتعين بحضوره القدوس, وليسمح لي كرمك المعتاد أن أطلب منك ألا تنسيني وأسرتي الصغيرة يوما ما, مثلما لن نستطيع نحن أن ننساك, وأن تذكرينا دائما في تسبيحك وصلواتك أمام عرش النعمة, لعل الله يتحنن ويترأف علينا وينظر إلينا بعين المغفرة والرحمة ويعطي نفوسنا صبرا وعزاء.
القراء الكرام.. أطلب منكم أن تعذروني, ففي الحقيقة لم أشأ أن أزعجكم بهذا المقال, أو أن أدغدغ مشاعر البعض ممن فقدوا الأب أو الأم أو كليهما, خاصة وأنني غير معتاد علي التحدث في أمورخاصة, كما لم أتعود كتابة موضوعات شخصية حين أخرج للمجال العام, لكنه الأمر الذي سيطر علي طيلة الأيام الماضية, ولم أستطع الفكاك من أسره.
وبعد قراءة هذا المقال, فإنني أدعوك عزيزي القارئ, كما أدعوك عزيزتي القارئة, أن تتصل سريعا بأمك لتعبر لها عن حبك وعرفانك بالجميل, عبر كلمات جميلة وعبارات طيبة تخرج من القلب للقلب, كما أطلب منك بعد انتهاء أزمة فيروس كورونا ـ قريبا إن شاء الله ـ أن تذهب إليها وتأخذها في حضنك وتقبل يديها, بل وتقبل رجليها أيضا, فربما يأتي وقت تشتاق فيه لأن تفعل هذا ويكون الأون قد فات.
تحياتي وتقديري لحضراتكم جميعا, يملأني رجاء كبير وأمل عظيم في التماس دعواتكم وطلب صلواتكم من أجل جميع الذين رحلوا عنا, ومن أجل الموجودين علي الأرض يجاهدون ويثابرون إلي حين الانتقال من العالم الفاني إلي العالم الباقي, حيث يأتي يومن نتقابل جميعا فيه ونفرح باللقاء مجددا, هناك حيث لا تعب ولا مرض ولا قلق ولا اضطراب, بل سلام دائم وفرح عظيم لا ينتهي, فرح يملأ النفس ويشبع القلب.















