طوال الأسبوع و أنا اذهب لنفس المقهي القديم في قلب امستردام ، واحد من تلك المقاهي التي تفتخر بكتابه تاريخ انشاءها علي لوحه معلقه اعلي الباب الرئيسي من الخارج ( ١٨٥٠م ) ، تلك دعايتهم الاساسية و التي تجتذب السياح بوضوح .
اكتشفته صدفه فأصبحت اشرب قهوتي فيه كل صباح مستمتعة بالقدم و خلو المكان .
في الايام المشمسة اجلس بالخارج علي مقاعد منثوره حول رصيف المقهي العتيق الضيق ، الذي يتخذ من ناصيه الطريق موقعاً مميزاً.
اختار الجهة المواجهة للقناه و اراقب احد القوارب الذي تحول متحفاً ” لبيت في الماء ” !
اليوم كانت السماء غائمة وعادت امستردام الي عادتها الشهيره في التقلبات الجويه ، فدخلت بسرعه احتمي من المطر الغزير ،
يتصدر المقهي الضيق من الداخل باراً قديما تتوسطه قطعه اثريه من البورسلين العتيق الملون بألوان باهته يبرز منها محبس ( صنبور ) لتقديم البيره !
ابتعدت عن البار و إخترت مقعدا بالداخل الي جوار نافذه .. المقعد و النافذه كلاهما مغرق في القدم.
في هذا الوقت من الصباح و في منتصف الاسبوع ، لا تجد في المقهي سوي بعض العجائز الذين يراقبون دخولي بعيون فضوليه متفحصه ، و شابه شقراء تجمع شعرها الي الخلف فيتدلي بخيوطه الذهبيه الجميله ، تقدم القهوة لأحد الزبائن ، و يجلس صاحب المقهي العجوز في الجهه الاخري من البار متحدثا بصوته الاجش العالي الي اصدقاءه العجائز ، وترتفع ضحكاتهم بين حين وآخر ..
امامي رأيت لوحه قديمه معلقه علي احد الجدران ، لوحه بالابيض و الاسود مرسومه باليد في اطار
سخيف مخفياً مشاعر غايه في العمق.
اللوحه لطفله تتشبث بأبيها و تجذبه من ملابسه و تنظر اليه بعيون طفوليه ضارعه بينما الرجل يمسك بيده مقبض باب البار الذي اجلس فيه ( ولكن منذ انشاءه )و يهم بالدخول وبالقرب منهما وقفت زوجه الرجل تبكي وتخفي دموعها في شال تضعه علي اكتافها .
واسفل اللوحه كتب بالهولنديه
( أخخ ياابي ، ليس مره أخري )..
اعجبت بالفكره جداً ، جداً. فبقدر ما هي مؤثره و مؤلمه بقدر ما كان الرجل عازما بقوه علي دخول البار .
رفعت تليفوني لألتقط صوره للوحه المعلقه امامي ، و بينما احاول ان اضبط الاضاءه ازحت يدي الي جهه النافذه ، فرأيت ..
ذهلت لدرجه ان شهقت من صدمتي ،
رأيت رجلاً .. صديقاً مقرباً ، و اعرف زوجته صديقتي و اطفاله ! اعرف كنيسته التي يصلي فيها و انجيله المتهرئ ..
رأيته وقد التفت احدي ذراعاه حول خصر امرأه شابه سمراء ، وقد اختار نافذه المقهي التي اجلس الي جوارها .. اختارها دون غيرها من بين كل الاماكن و الارصفه و المقاهي .. ليُقَّبِل تلك المرأه بحراره و حميميه بجوار نافذتي !
اختار دون عمد بالطبع ، فأحياناً تشاء الاقدار لهواً من نوع خاص !!
ضغط اصبعي علي مكان التصوير ، و التقطت الصوره دون ان ادري ، و اخفضت التليفون فتلاقت عينانا ..
ذهل ، ابعد المرأه الشابه عن احضانه بسرعه ، وتسمرت ارجله في الارض ، بينما حاولت المرأه ان تعرف ماذا حدث ، استدارت لتنظر الي ثم عادت تخاطبه .. ربما تحاول ان تعرف ان كنت زوجته ، أو هل اشكل خطورة ؟ من انا ؟ سألته ،
بصعوبه ابعد عينيه عني و هز رأسه كأنما يريد ان يقول ” لا اعرف “ثم دفعها برقة لتذهب في الوقت الحالي فاختفت في لحظات من امامي ، بينما مشي صديقي الي باب المقهي و دخل و طلب قهوة .. و جلس امامي ..
انتظر حتي جاءت الفتاه الشقراء بالقهوه و وضعتها امامه .. كانت يده ترتجف رغم محاولته لإظهار تماسكاً و بروداً،
ذهب لون وجهه و كنت اعرف ان يده بالتأكيد بارده كالثلج ..
قلت بهدوء ” إعتبر اني لم اري شيئاً”
بالطبع لم يكن يحلم ان يسمع ما سمع ، ضاقت عيناه ، و نظر الي ليري ان كنت صادقه فيما اقول ام انني اسخر منه كبدايه لسلسله من التأنيب و التعذيب ، تنتهي بتهديد واضح ان اطلع زوجته .. صديقتي .
حاول ان يقول شيئاً ، و لكني لامست يده بأطراف اصابعي ..
فهدأ .. و صدقني ..
كان صوته عميقاً ، ولولا رجولته التي تدربت جيداً علي كبت البكاء لبكي .. كنت اعرف انه سيبكي ..
قال ” صدقيني .. انا احب زوجتي و ابنائي .. و لا احتمل يوم يمر دون ان اراهم.. و لن اصمد لحظه امام نظرات صدمتهم في و احتقارهم لي كزوج و اب .. “
” و صدقيني .. انا اعرف الله و اخافه .. ربما اكثر من جميعكم .. ”
” ولكنه داء .. داء اسود .. ، مرض يسري مع الدم و لا ينتزع “
اجبته ” اعرف “
تحمس امام هدوئي و قال ” و لكني اعدك و ربما هي فرصتي الان .. ان اتوقف ، ان أكون الرجل الذي تظنه زوجتي .. اعدك .. “
اجبته ” اصدقك “
قال ” و لكن .. لماذا قمت بتصويري ؟ “
قلت ” لم اكن احاول تصويرك علي الاطلاق .. و اشرت بيدي الي اللوحه من خلفه “
فإستدار و لمحها بسرعه و كاد يلتف ليواجهني .. ولكن الطفله فيما يبدو جذبت انتباهه ..
عاد ينظر اليها ، وادرك المقصود بها ..
و حين استدار .. كانت عيناه تمتلئ بالدموع .
” آه يا ابي .. ليس مره أخري













