أشرت في مقال سابق إلي أن رأس المال الخاص في مجال الإسكان في غالب الأحوال ينزع إلي الاستثمار في منتجعات الأثرياء أو المباني المطروحة لأصحاب الدخول المرتفعة, وأنه في حالات محدودة نجد الشركات الخاصة تتجه إلي الاستثمار العقاري الذي يلبي احتياجات الطبقات متوسطة الدخل, أما البناء للطبقات محدودة الدخل أو للفقراء فتلك مسئولية الدولة لأن مشروعات الإسكان في هذا المجال تقتضي خططا عمرانية واقتصادية خاصة تتضمن تمويلا طويل الأجل أو حتي دعما من جانب الدولة لإتاحة الوحدات السكنية بأسعار في متناول محدودي الدخل أو بأقساط طويلة الأجل تناسبهم.
ومن المشروعات التي طرحتها الدولة في هذا المجال في السنوات الأخيرة وحازت إقبالا شديدا من المواطنين مما يعكس التعطش والاحتياج الكبيرينمشروع إبني بيتك وهو مشروع حضاري يعتمد علي توفير وحدة سكنية بمساحة محدودة تتوسط قطعة أرض تزيد مساحتها قليلا عن الوحدة السكنية, وتتكون الوحدة من دور أرضي ودور أول ودور ثان, أي أن سعتها القصوي تبلغ ثلاث وحدات سكنية مستقلة تتسع لثلاث أسر. ويتم بموجب إجراءات رسمية يحددها المشروع تخصيص هذه الوحدة للمتقدمين من أصحاب الدخول المتوسطة والمحدودة. وبموجب التخصيص يتسلم المالك التصميمات الهندسية المعدة بواسطة المشروع وكذلك دراسة أبحاث التربة التي تحدد مواصفات الأساسات, علي أن يقوم المالك بالتنفيذ في فترة زمنية محددة, حتي إذا ما التزم بتلك الفترة وبالتصميمات المسلمة له من الجهاز المسئول عن المشروع يكون مستحقا للحافز المادي أو الدعم النقدي الذي تنص عليه الشروط.
الأمر في ظاهره يمثل خطوة طيبة لتمكين متوسطي ومحدودي الدخول من تملك مسكن خاص, وهو ما يعيدنا بالذاكرة إلي المشروع الطموح الذي طرح في ستينيات القرن الماضي باسم مشروع الألف مسكن, لكن يبدو أن الزمن تغير وتكاليف البناء أفلت زمامها ومهنة مقاولات المباني استقطبت شرائح من القادمين الجدد من غير المؤهلين فنيا لها, علاوة علي غياب آليات الإشراف الهندسي من جانب الأجهزة المسئولة…كل هذه العوامل تجمعت لتتركز وتسيطر علي مقدرات الأمور في مشروع إبني بيتك حتي أصبح أي مراقب عن كثب لما يتم تنفيذه من وحدات المشروع علي الطبيعة يقف حائرا قلقا وكأن المشروع في حقيقته يصح أن يطلق عليهمشروع إهدم بيتك!!!
كيف يمكن أن يترك المشروع المالك الذي تم تخصيص وحدة سكنية له- وهو في معظم الحالات إن لم تكن الغالبية العظمي منها يفتقر إلي الدراية الهندسية والعلمية والاقتصادية – وحده يتولي اختيار المقاول الذي سوف يسند إليه تنفيذ الأعمال؟…ما مؤهلات ذلك المالك التي تجعله قادرا علي الحصول علي أفضل الأسعار من المقاولين, والمفاضلة بين تلك الأسعار علي أسس فنية ومالية بما يتناسب مع مواصفات الأعمال المطلوب تنفيذها؟…وكيف يتحقق ذلك المالك – الأعزل من المساندة الهندسية -من الخبرة الفنية للمقاول المتقدم بالعرض؟…ثم كيف يتم ترك المالك في مواجهة المقاول دون إشراف هندسي يتولي التحقق من الصلاحية الفنية للأعمال الجاري تنفيذها وبالتبعية يتولي استلام الأعمال أولا بأول…؟
كل هذه الأمور لا توجد آليات تحددها, وينتهي الأمر إلي أن المالك بطبيعة الحال- وهو محدود الدخل والإمكانيات-ينزع إلي اختيار المقاول الذي يقدم له أرخص الأسعار, وليست أرخص الأسعار بالضرورة هي أفضلها بالنسبة لطبيعة الأعمال المطلوبة, كما أن المالك وهو يحسب كل جنيه ينفقه ويحاول ترشيد الإنفاق إلي أقصي درجة لا يميل إلي استخدام مهندس مشرف علي العمل لئلا يتكبد أتعابا إضافية هو في أشد الحاجة لها…وفي ظل ذلك الخلل الخطير لمعايير الاختيار والتقييم والتنفيذ والاستلام ترتكب مخالفات هندسية جسيمة قد ترقي في بعض الأحيان إلي مرتبة الجريمة, والغريب أنه في حالات غير قليلة يتم ذلك بالتوافق بين المقاول والمالك حيث يقع المالك المغلوب علي أمره ضحية إيهام المقاول له بأن بعض جوانب العمل لا داعي لها أو أن مواصفات محددة في الهيكل الخرساني أو التسليح يمكن غض النظر عنها أو تعديلها!!!…وطبعا يكون الإغراء المقدم للمالك في جميع الحالات هو لتوفير التكاليف!!
لست أكتب عن هذا الواقع دون خبرة أو بلا أدلة, فقد عايشت حالات تمت فيها مخالفات خطيرة لتوصيات تقرير أبحاث التربة حيث تم غض النظر عن تنفيذ طبقة إحلال من التربة الرملية قبل تنفيذ الأساسات لتقوية طبقات التربة التي لا تصلح لتحمل أحمال المبني أصلا….أما المخالفات المتصلة بمحتوي الخرسانة من أسياخ حديد التسليح والأسمنت فحدث ولا حرج وهي ما تفضحها حالة الأعمال المنفذة والعيوب المنتشرة فيها والشروخ والتصدعات والانهيارات التي تتعرض لها.
لايمكن أن تعتمد مثل هذه المشروعات الطموحة التي تستهدف توفير المسكن لمحدودي الدخل علي ترك المالك الأعزل يقوم بتنفيذ مسكنه, بل يجب أن يتجه الدعم أو السياسات التمويلية إلي إسناد مناطق متسعة من المشروع تضم آلاف الوحدات السكنية- والخدمات اللازمة لها- إلي شركات المقاولات الكبيرة ذات القدرة والخبرة, مع استقدام الأجهزة الهندسية المسئولة عن الإشراف, وأثق أن دراسات الجدوي لهذه العمليات الكبيرة يمكن أن تصل إلي أرقام تخص تكاليف الوحدات السكنية لا تبتعد كثيرا عما تسفر عنه المساومات التي تجري بين الملاك الفرادي وبين المقاولين لأن تفتيت المشروع إلي وحدات منعزلة ينفذها مقاولون عديدون يرفع من التكاليف بلا داع.
كما أن هناك مشكلة خطيرة ناتجة عن هذا الواقع المعوج لا تفوت المراقب المتخصص وهي القيمة العقارية الحقيقية للمشروع الذي يفترض أنه إضافة للثروة العقارية للمجتمع وللدولة…إننا إزاء ما يحدث فيمشروع إبني بيتك تنتابنا شكوك مخيفة حول العمر الافتراضي للمباني الجاري تنفيذها علاوة علي شكوك أخطر حول القيمة العقارية المضافة للثروة العقارية في هذه المنطقة…أما ما يتجاوز ذلك عن الحديث عن أمان وسلامة المواطنين الذين سوف يستقرون ويعيشون في هذا المشروع فهناك هواجس وقلق لا حدود لهما!!!
















