منذ نحو شهرين التقيت بفريق إعلامي من سويسرا يقوم بإعداد برنامج تليفزيوني عن المسيحية في الشرق الأوسط,وكان من الطبيعي أن ينصب حديث معد البرنامج معي عن المسيحية في مصر وأحوال أقباط مصر فيما يخص حرية المعتقد وكفالة ممارسة الشعائر الدينية وحقوق بناء الكنائس إلي غير ذلك من المسائل المتصلة بكافة أشكال الحريات الدينية.
وبعد أن فرغ معد البرنامج من أسئلته المتصلة بأقباط مصر فاجأني بسؤال قال إنه خارج إطار المناقشة حول الترتيبات التي كانت تجري آنذاك في سويسرا لاستفتاء الشعب السويسري عن أمر حساس يثير جدلا كبيرا هناك وهو منع إقامة المآذن التابعة للمساجد في سويسرا,حيث ينقسم المجتمع والتيارات السياسية فيه بين مؤيد لكفالة الحريات الدينية دون أدني تحفظات أو معوقات وبين متوجس من رصد تنامي تيار الإسلام السياسي ورافض لإطلاق الحريات الدينية بلا حدود.
وطلب معد البرنامج أن يعرف رأيي في تلك القضية فقلت إنني غير متابع لمؤشرات نمو تيار الإسلام السياسي في سويسرا,كما أنني لست أدري ما العلاقة المباشرة بين ذلك وبين منع إقامة المآذن طالما أن حرية إقامة المساجد للصلاة مكفولة,لكني مشفق علي دولة مثل سويسرا اشتهرت باعتدالها وحيادها وابتعادها عن دوائر الصراع أن تدخل تلك الدوائر وتنضم بذلك إلي قائمة طويلة من الدول-أكثرها في منطقتنا العربية وفي الشرق الأوسط-تفتقر إلي السماحة وتخنق الحريات الدينية وتضع العراقيل أمام ممارسة الأقليات الدينية لشعائرها وبناء دور عبادتها,هذا إن لم تكن تمنع تماما أيا من ذلك أصلا.
مرت الأسابيع وجري الاستفتاء بالفعل الأسبوع الماضي حيث صوتت نسبة57.50% من السويسريين بالموافقة علي منع بناء المآذن في سويسرا,ليتم وفق ذلك تعديل الدستور السويسري…الملفت في الأمر أن الحكومة السويسرية لم تكن تشجع هذه النتيجة لكن المسار الديموقراطي المتبع هناك يوجب احترام رأي الأغلبية بالرغم من ردود الفعل المتوقعة والتي بدأت تباشيرها في الظهور ما بين الاحتجاج والشجب إزاء ما وصفته الدوائر الأوربية نفسها بأنه انتهاك للحريات الدينية وبين ما يمكن أن تتعرض له سويسرا من ردود أفعال اقتصادية تطول مصالحها بالضرر.
أنحي كل ذلك جانبا لأقف أتأمل تيارات الرفض والشجب والاحتجاج الصادرة عن منطقتنا والتي تصيبني بالتعجب والاندهاش…صحيح أنني لم أكن أتمني أن تقدم سويسرا علي مثل هذه السياسة التي أفضت إليها نتيجة الاستفتاء,لكن بما أن ذلك حدث وأصبح أمرا واقعا دعونا نقول إنه يستقيم أن ينتقده ويرفضه أي كيان ديموقراطي يمارس بالفعل المساواة بين أتباع الديانات المختلفة ويكفل الحريات غير المنقوصة للجميع…أما أن تأتي ردود الأفعال الأكثر سخونة وانفعالا وعنفا من دول ومجتمعات متمرسة علي الفرز الديني ومتورطة في خنق الحريات الدينية وضالعة في تعويق بناء دور العبادة الخاصة بالأقليات الدينية فتلك من الأمور الأكثر غرابة والتي تستعصي علي الفهم والإدراك.
الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية أعلن شجبه واستنكاره لتمرير تشريع حظر المآذن في سويسرا معتبرا إياه هجوما علي حرية الاعتقاد وإهانة لمشاعر المجتمع الإسلامي,لكن الدكتور علي جمعة يعلم تماما أنه بالرغم من ذلك الحظر تظل حرية إقامة المساجد في سويسرا غير مقيدة ويظل حق المسلمين في سويسرا في الصلاة مكفولا…بينما هنا في مصر لا يعير الدكتور علي جمعة التفاتا للواقع المختل بين المساجد والكنائس في كل ما يتصل بتشريعات وممارسات شراء الأراضي واستصدار تراخيص البناء والحصول علي الموافقات للتدعيم والتجديد والترميم أو للتوسعات أو للهدم وإعادة البناء…هذا الواقع المختل الذي يتسم باليسر للمسجد والعسر للكنيسة لم يعد مجهولا لأحد في مصر ورصيد ما أكتبه ويكتبه غيري في مجال تربص السلطة الإدارية والأمنية بالكنائس وعرقلتها الأوراق والتصاريح ومنعها المباني أصبح متناميا ومعروفا للكافة,علاوة علي رصيد الهجمات والاعتداءات التي تتعرض لها الكنائس والجمعيات القبطية وممتلكات المسيحيين علي أيدي الغوغاء والخارجين علي القانون والذي أصبح له مساحة شبه دائمة في إعلامنا…يضاف إلي كل ذلك إلحاح المجلس القومي لحقوق الإنسان للعام الثالث علي التوالي علي إصدار القانون الموحد لدور العبادة لتحرير الكنائس من ذلك الواقع المؤسف دون جدوي ودون أية بادرة للتحرك الإيجابي في هذا الاتجاه…هذا ما يخص كنائس المدن الكبيرة مثل القاهرة والإسكندرية وعواصم المحافظات,أما إذا خرجنا من هذا الإطار إلي المدن الصغيرة والقري فحدث ولا حرج,لأن ما يصل إلينا عن الغرف الضيقة التي يشار إليها علي أنها كنائس يندي له الجبين,ومسألة إظهار الكنيسة من الخارج بأي شكل معماري مميز أو بوضع صليب أعلاها تعد أمنية بعيدة المنال,أما تجاوز ذلك بحلم بناء برج لجرس الكنيسة فهو الجنون بعينه والمستحيل ذاته…فكيف بنا نغض البصر عن ترتيب بيتنا من الداخل بينما ننتفض غضبا لنعلم الآخرين كيف يرتبون بيتهم؟!!!
هذا الحديث له بقية مرهونة بما يستجد من ردود أفعال دول منطقتنا الشهيرة بوأدها للحريات الدينية…
















