عدة تساؤلات تملكتني, فيما بعد الطوفان الإعلامي, عقب مذبحة عيد الميلاد بنجع حمادي, وذلك أثناء توجهي لقري بهجورة ودشلوط, والتي تعد أبرز القري المضارة في الأحداث, علي أمل أن أرصد أية نتائج إيجابية وملموسة وحصاد ما تم بذره طوال أربعين يوما مضت.. وكانت أهم التساؤلات التي شغلتني:
هل هناك بوادر انفراجة قريبة يتطارحها المجتمع النجعاوي لمنع تكرار مثل هذه الوقائع.. وهل تلوح في الأفق نماذج غير نمطية لعلاج القضايا المرتبطة بالطائفية تعلي من جديد هيبة الدولة وتبسط أحكام القانون وأدواته وخصوصية مواده في مثل هذه الجرائم المجتمعية. رغبنا في استكشاف ماذا بعد؟.
* عندما لمحت القلل القناوي المتزاحمة وأعواد القصب علي جانبي الطريق أدركت أننا علي مقربة من مدينة نجع حمادي / قنا واستبشرت خيرا عندما شاهدت قوات الأمن بأقل كثافة عند مداخل القري يتفرسون في وجوه القادمين.. وأكثر كثافة بشارع المحطة بجوار كنيسة العذراء, وأيضا بالقرب من مبني المطرانية.
* جذبتني كلمات الحاج بركات قناوي سائق الأجرة الذي رافقني بسيارته أسيوط / قنا في معرض تعليقه التلقائي علي أحداث نجع حمادي بالقول: شوفي لا ده هايقدر يستغني عن ده, ولا ده هايقدر يعيش من غير ده.. لكن لما المخاخ تتسمكر ياللا السلامة. وأشار بالقول: تمشي من هنا تلاقي قرية أبو شوشة وتمشي شرق تلاقي بهجورة علي بعد 3 كم امتداد طريق الأسفلت الزراعي ودول ضمن 13 قرية تابعة لنجع حمادي.. والرحمانية ودول طلعوا وتصدوا للغوغاء.
حدث في بهجورة ليلة الجمعة 8 يناير
* تمهلت سيرا مع مرافقي نحو شارع ترعة الوزيري أكبر شوارع قري بهجورة ومنه إلي مدخل شارع أبو عسل (البوستة الجديدة) فوجئت بثلاث عمارات وعدة محال تجارية متجاورة محترقة تماما.
.. ألزمنا أحدهم والذي كان يجلس أرضا نادبا حظه العاثر بالصعود إلي البيت المجاور, قال وهو يدمع: أنا صبري بطرس.. يوم الجمعة حوالي السابعة والنصف مساء كنت في الدكان أنا وعيالي قالوا ده فيه شغب في نجع حمادي رحت قفلت الدكان وجرينا علشان نوصل البيت.. لقيت حوالي 60 نفرا هجموا علي الدكانة وكسروها ونهبوا البضاعة كلها وجابوا أنابيب المولوتوف وولعوا في الدكان.. كل شهر بندفع 500 جنيه كهرباء وضرائب وتأمينات الواحد هايجيب منين؟. ماعنديش شغلانة غيرها وأنا لي 33 سنة شغال في محل البقالة ده وعندي رخصة ماعملتش حاجة وحشة لحد.
.. الانتقام ليه؟ مش عارف.. أنا هاخليكي تشوفي الدكان والبضاعة من شدة النار اتعلقت في السقف.
* أوقفني باسيليوس لمعي بسطاروس قال: إحنا موجودين في الواجب طوال يوم الخميس لأنني قريب للشهيد أيمن زكريا وبعد العزاء نزلنا يوم الجمعة لبهجورة أنا وولادي وكان معانا نسيبي. أنا ساكن في شارع الدقاقوة وقالوا: الشغب جايين.. بصيت لقيتهم ولعوا في دكاني ومعاه خمسة دكاكين انتقلت إليهم النار بسرعة في شارع ترعة الوزيري.. وأصبحوا علي الحيطان.. وسيدنا الأنبا كيرلس أعطاني 5000 جنيه, وجاءت النيابة وعاينت الدكان وقعدت النيران مدفونة جوة البضائع لمدة يومين كل ما نحاول نطفيها تشتعل من جديد بيقولوا إنه كان مضاف ليها مواد.. وأنا عندي أربع عيال وزوجتي وأمي المشلولة وماعندناش مصدر دخل!.
حدث في فرشوط ليلة 21 نوفمبر
* أخذنا طريقنا إلي قرية فرشوط والتي كانت مسرحا لبداية الأحداث.. التقينا القس إليشع هلال سعيد كاهن كنيسة الملاك ميخائيل بصفته شاهد عيان علي الأحداث التي أشعلت نار الفتنة في نجع حمادي, قال: قبل أحداث فرشوط بثلاثة أيام سمعنا أن الولد جرجس بارومي مسكوه ولأن الولد تابع لقرية الدرب الأحمر التي أخدم بها رحت بالتبعية أشوف الحكاية؟, ومعروف أن الولد ده أرزقي بيبيع البضاعة علي تريسكل.. اتقابلت مع رئيس المباحث وبدأ الضابط من جانبه يؤكد أن الولد ضحك علي البنت والبنت لسة صغيرة وحاولنا نشوف الولد رفضوا وأسرته طفشت من البلد..
قال الضابط: الولد ثابتة عليه الجريمة وده ولد تخين وطويل ولقينا الجاكيت بتاعه فيه آثار دماء واغتصب البنت ما بين قرية الشقيقة والكوم الأحمر الساعة 11 صباحا, ولما البنت روحت وحكت الحكاية طلعت أسرتها بالعربية ولقيوا الواد فمسكوه وودوه البندر وبكده الجريمة ثابتة عليه.
* أضاف القس إليشع: لزمت الصمت لأن إحنا في الصعيد الشرف غالي هل هاينتظروا أهل البنت علشان يمسكوا الولد ويقدموه للبندر؟, دا كان طخوه عيارين وخلاص.. لكن لما يشاع مثل هذه القصص في الصعيد البلد هاتولع.. فوجئنا في الخامسة فجر 11/21 وأنا بصلي القداس واحد جاني وقال لي الحقني يا أبونا محل وحيد رفعت بيتحرق, اعتقدت في وقتها أنه ماس كهربائي وصاحب المحل اكتشف ذلك صباحا.
* خلصت صلاة القداس الساعة 7 وجريت نحو شارع زغلول لقيت عربية المطافي واقفة وفوجئت باحتراق محل آخر في حارة مجاورة, وقفت بجوار الضابط وحسام بيه رئيس المباحث وكان بجوارهما سيارة إطفاء وعربيات الشرطة لما اكتشفوا أن هناك محلا ثالثا بيحترق وأحنا علاقتنا كويسة جدا مع المسئولين.. والأمور أخذت شكل طبيعي حتي الساعة العاشرة وقلت لصاحب المحل الأول إللي خسر هايتصلح ونعتبر الموضوع انتهي.. في العاشرة والنصف سمعنا هيصة وقالوا لنا إن فيه شوية عيال جايين من الغرب في حالة هياج وكانوا بيرددوا أحنا بناخد شرف بنتنا من النصاري, بدأ التكسير والنهب والحرق من الساعة الحادية عشر صباحا حتي العاشرة مساء واتنهبت حوالي 65 من محلات الملابس والمكتبات والصيدليات والبقالة, بالإضافة لحرق ميني باص وتحطيم مستودع كوكاكولا.. الناس قالت إن الأولاد دي من قري الصماصمة والجزارين وأولاد نجم وشق الوزير.. لما حاولنا الاستعانة بالشرطة قالوا إن مهمتنا حراسة مبني الكنيسة فقط.
الكوم الأحمر وتهجير المسيحيين
* بعد حادثة فرشوط اتصلت بينا الجهات الأمنية ضمن خطتها للحفاظ علي الأمن في قرية الكوم الأحمر لمطالبتنا بإخلاء القرية من البنات والسيدات المسيحيات علي أساس يقعدوا شوية ثلاثة أو أربعة أيام حتي تهدأ الأمور, فأطعنا الأوامر خرجت السيدات من القرية احتراما للمشاعر, لكن بعد عدة أيام اتصل بنا رجال من القرية بيقولوا الحقونا أجبرونا علي ترك منازلنا وتم إخلاء 27 بيت مسيحي من القرية.. لكن من أبناء القرية إخوة مسلمين قدروا الموقف وبيحافظوا علي بيوت جيرانهم المسيحيين حتي يعودوا.
لم يتحرك أحد !
* تمام الثانية ظهر الأحد الماضي 7 فبراير كان موعدنا مع نيافة الأنبا كيرلس في مقره المتواضع بنجع حمادي, المحاط أمنيا, وقد بدأت عليه علامات الإرهاق والتعب.. بادرت نيافته بالقول: ماذا بعد يا سيدنا؟.
قال: أولا رغم الأحداث إللي حصلت العلاقات بيننا وبين إخواتنا المسلمين كأسر وعائلات لم تنحصر. أنا رحت مع الآباء الكهنة واجبين عزاء وفي تقارب بيننا وبين العقلاء, لكن إللي عندهم مفاهيم مغلوطة دول إللي يمثلوا العبء ودائما تأتي النار من مستصغر الشرر والناس دول غير مسئولين اجتماعيا أو دينيا وبنعاني منهم ولا يزالون لحد دلوقتي بيسعوا إلي الانتقام لأن دي رواسب داخلية وإحنا بنستند علي قول ربنا: إللي ربنا بيحبه يجعل أعداءه يسالمونه.
أضاف: لكن في ظل هذه الأحداث بيتعامل رجال الدين بروح السلام والمحبة وطول الأناة, وبنتكلم مع العقلاء علشان نشوف حلول, لأن الأحداث أثرت علي المسيحيين اقتصاديا واجتماعيا وعلي المسلمين أيضا, لأن في وجود القلق والاضطراب مين هايفتح المحلات ومين هايشتغل؟.
قال: لحد دلوقت الأمور مش مطمئنة وإحنا خايفين من تبعات الأحداث ومنتظرين أحكام القضاء, الوضع لا يزال متوترا.. أنا نفسي مش مرتاح ودليل كده أن الأمن متواجد بكثافة بمدينة نجع حمادي.
* وعن كيف وصلت الأمور إلي هذا الحد قال: لاحظي الوضع الاجتماعي الذي يسوء يوم عن يوم في فترة الثمانينيات والتسعينيات كان الإرهاب علي أشده, لكن نجع حمادي كانت هادئة, ورغم إللي حصل سنة 1980 من هجوم علي محلات الذهب ولكن ماكانش لها ردود الأفعال الواسعة زي الأحداث الحالية إللي النفوس فيها مشحونة, وفيه إعلام خارجي وتعاليم وافدة وعوامل شحن.. والمعالجة لازم تكون من الطرفين المسلمين والمسيحيين, لازم يكون هناك حلولا مختلفة للمجتمعات القروية البسيطة.
* وبعد أربعين يوما مضت يا سيدنا علي أحداث نجع حمادي ماذا بعد؟. قال: صدقيني أنا عايش بقوة ربنا مش حاسس لا بالأكل أو الشرب فقط أشعر بهبوط جسماني ومش قادر أتابع أجندة يومي ولولا نعمة ربنا إللي سانداني والقداسات لكنت وقعت. وقال: أحنا مش في داخلنا شر ولا حب انتقام, بنحاول نهدئ الناس علشان تتحمل التجربة وبنشجعهم بكلام الإنجيل.. لاحظي أننا في وسط الأتون عندنا عيال استشهدوا, عندنا ناس مصابين.. عندنا شباب لايزالوان قيد الحبس, نجحنا في إخراج 80 منهم من جملة ..95 عندنا 43 محالا وبيوت محروقة ومنهوبة في نجع حمادي وبهجورة و68 في فرشوط, وعايزين ندبر إعاشة لكل هؤلاء.. صحيح بنصرف تعويضات الدولة لكنها تمثل نسبة بسيطة وأنا (كأب) ماقدرش أشوف كل واحد كان شغال وبقي شحات.
* وهل من حراك لهذا الموقف؟ قال: إللي أنا شايفه كل الفئات إللي جاءت لتقديم العزاء واتكلمنا مع بعض لكن بلا عمل هنا مفيش الوعي الكافي لإزاحة التراكمات, مفيش الرؤية للتصحيح, هنا مش زي بحري, وأنا متهم بأنني باقود أحداث الانتخابات وبأقف جنب المسيحيين, وكل ده فوق رأسي ولما آجي أخطو خطوة نحو حد يقولوا لي أنت لسة هاتعمل زعيم تاني. ماحدش مستعد يساعدنا في تحريك الموقف أنا هاقولك أحنا معانا ربنا لأن استخدام (عود الكبريت والشرف) في مثل هذه الأحداث الطائفية عامل لنا أزمة, يعني لما تكوني قاعدة وضيف يقول إن الولد لازم يعدموه ما نقدرش نتكلم لأن الأمر واخد قالب ديني سخن مالناش غير ربنا.
* أضاف أنا لا أجد استجابات واضحة وبأعد أيام شهر فبراير في 3 قضايا 13 فبراير قضية الشهداء, و17 فبراير قضية جرجس بارومي, و22 فبراير قضية إللي قتلوا في عيد القيامة في قوص خلاف الـ15 معتقلا.


















