لما جاء ملء الزمان الذي عينه الله في سابق علمه ولد السيد المسيح له المجد.
ولد رئيس السلام… فأضحي ميلاده بداية لعهد جديد…
فاليوم عيد المجد للساكن في الأعالي… واليوم عيد السلام للأرض والساكنين عليها..
واليوم عيد الفرح والسعادة والمسرة لكل الناس.
ولد لكم اليوم في مدينة داود مخلص هو المسيح الرب (لو2:11).
ونحن حينما نحتفل بالعيد ليس مجرد تقاليد… وإنما هو إنارة لذكريات مجيدة… عندما ننحصر بالروح متأملين في البركات التي تحل علينا ببركات مولود بيت لحم… ونذكر فيه محبته الفائقة لجنس البشر فنحمد جوده… ونسجد لجلال مجده.
لقد أشرق نوره الوضاء فبدد ظلمات الجهل التي تخبطت فيها البشرية قرونا,وأحست النفوس المأسورة في الجحيم أنها أفلتت من عقال الخطية… وأصبح نور المولود يضئ لكل نفس بشرية قبله وبعده… وأصبح الكلمة المتجسد هو صخرة الدهور مصدر كل إشعاع ينقله المؤمنون من دور إلي دور… صنع الخير مع البشرية… سكب علينا من بره وأفاح علينا من طهره.
وكما كان الله مصدر حياة لأبينا آدم حينما خلقه من تراب الأرض ونفخ في وجهه فصار آدم نفسا حية… وفي ملء الزمان حينما ظهر الله متجسدا أعاد الحياة مرة أخري بعد أن قضي علي آدم بالموت الأبدي, فأصبح هذا السر العظيم أن يأتي إلينا كلمة الله… ليفدي البشرية كما قال الكتاب: عظيم هو سر التقوي الله ظهر في الجسد (1تي3:16).
إنه أتي ليجدد البشرية التي هلكت وطردت من الجنة ومن حضرة الله, أتي الله إلينا ليعيدنا إلي حظيرته… أتي ليجدد أذهاننا… فنجدد عهودنا لإلهنا وتعهداتنا لجلاله بإطاعته وحفظ وصاياه والعمل بها, والمبادئ السامية التي رسمها لنا السيد المسيح في تواضعه كما قال لنا: تعلموا مني, لأني وديع ومتواضع القلب, فتجدوا راحة لنفوسكم (مت11:29).. فوضع وهو طفل في مزود بقر مع أنه سيد البشرية, فإنما كان هذا ليدعم النفوس البشرية علي الوداعة الحقيقية… واليوم الذي تتغلب فيه النفس البشرية علي الأنانية… هذا هو اليوم الذي فيه تلقي النفس عنها المطامع, ويسودها روح الإخوة والعمل لرفع البشرية فتبني ذاتها علي الإيمان الأقدس..
يوم ميلاد السيد المسيح له المجد أتي لينشر السلام علي الأرض… ولم يكن الأمر يبدو عيسرا في نظر البشر, فإنما هو سهل يسير… عنما تتجه قلوبنا إلي رب البشرية الله الذي ظهر في الجسد, الذي رتلت له الملائكة يوم مولده نشيد السلام, قادر علي أن يعمل بقدرته الفائقة علي دعم السلام, حتي ننشد نشيدالسلام الذي أنشدته الملائكة يوم ميلاده, ويكون منشودا من عمق القلب لنفرح مع جميع السمائيين الذين هتفوا للأرض والسماء قائلين: المجد لله في الأعالي, وعلي الأرض السلام, والناس المسرة (لو2:14).
ويقول القديس أثناسيوس الرسولي: لهذا افتقد كلمة الله الأرض التي كان حاضرا فيها دوما, ورأي كل هذه الشرور, ثم أخذ جسدا من طبيعتنا من عذراء طاهرة عفيفة حل في أحشائها, وذلك لكي يعلن نفسه فيه, ويقهر الموت ويعيد الحياة.
لأجل ذلك جاء إلي عالمنا كلمة الله العديم الفساد وغير المادي مع أنه لم يكن عنا ببعيد, لأنه لم يترك شيئا من البرايا خلوا منه, إذ هو يملأ كل شئ في كل مكان. وفي نفس الوقت هو كائن مع أبيه, ولكنه تنازل وأتي إلينا لكي يعلن شفقته علينا ويفتقدنا وترفق بضعفنا, ورثي لفسادنا, وإذا عن جسدنا لم يحتمل أن يري الموت تصير له السيادة, فأتي ليهبنا الحياة وأخذ من أجسادنا جسدا ليشاركنا الطبيعة البشرية… ما عدا الخطيئة وحدها, وإذ كان الجميع تحت قصاص الموت فقد بذل جسده للموت عوضا عن الجميع شفقة منه علينا, لكي يبطل الناموس الذي كان يقضي بهلاك البشر, إذ كات الكل فيه الآن, سلطانه قد أكمل في جسد الرب ولا يعود الموت ينشب أظفاره في البشر. في تجسده أعاد للبشرية عدم الفساد وأحيانا من الموت بجسده وبنعمة قيامته وأنقدنا من الموت كإنقاذ القش من النار.
فأتي السيد المسيح له المجد كلمة الله وإذ اتخذ جسدا فأصبح نائبا عن الكل, وباشتراكه في عدم موته أوقف فساد الجنس البشري, لكونه أسمي من الكل, جعل جسده ذبيحة لأجلنا وأصبح واحدا معنا كلنا ألبسنا عدم الموت.
نعم نعطي المجد لاسمه القدوس, ولأن كلمة الله متعال فوق الكل فقد لاق به بطبيعة الحال أن يوفي الدين بموته, وذلك بتقديم هيكله وأنيته البشرية لأجل حياة الجميع, وإذ اتحد ابن الله عديم الفساد بالجميع في طبيعتنا, فقد ألبس الجميع عدم الفساد بطبيعة الحال, بوعد القيامة من الأموات.
هكذا اتخذ كلمة الله الجسد, لأن البشر حصروا في الأمور الجسدية تنازل إلي مستوي تفكيرهم وأخذ جسدا والتقي بإحساساتهم في منتصف الطريق وأظهر نفسه ربا علي كل هؤلاء, جاذبا أنظار البشرية الحسية إليه كإنسان يقودهم لكي يعرفوه كإله, ونعمة الله المخلصة ولجميع الناس معلمة إيانا أن ننكر الفجور والشهوات العالمية, ونعيش بالتعقل والبر والتقوي في العالم الحاضر.
وبتجسده أعطي مثلا نتمثل به في محبتنا… للخالق… محبتنا لبعضنا البعض أعطانا الوداعة والتواضع… إلي حد أنه ولد من عذراء فقيرة, ثم وضع في مزوذ في متناول الفقراء, وهم غالبية بني البشر, ولكنه في محبته لم يرفض الأغنياء وأصحاب المراكز العليا… إن هم أرادوا أن يقبلوه, كما أتي إليه المجوس ولهم في الحكمة أعلي مكان ممثلين الحكمة والثروة إلي جانب الرعاة ممثلين البساطة والضعف والفقر, وهذه هي بداية اشتراكية الناس في محبة الله.
وبالإجمال أن السيد المسيح له المجد تجسد من أجل البشرية كلها لأنه يريد أن جميع الناس يخلصون وإلي معرفة الحق يقبلون (1تي2:4).
علينا أن نتمثل بالمحبة التي أحبنا الله وأتي وأخذ جسدا ليشابهنا في كل شئ ما خلا الخطية وحدها.
علينا أن نتمثل بمن أعطانا الوداعة والتواضع ووجب علينا اتباع خطواته.
علينا أن نتشبه بمن قبل إليه البشرية بدون تفرقة… قبل الغني… والفقير… قبل الحكيم والبسيط.
وواجب علينا أن نقبل بعضنا بعضا في تعايش سلمي تظهر فيه الأخوة الصادقة للبشرية لتحل علينا بركات عيد الميلاد المجيد, وننشد نشيد الحب: المجد لله في الأعالي, وعلي الأرض السلام, وبالناس المسرة (لو2:14).


















