وعليه فإن الولايات المتحدة لم تدرب قط الجورجيين على كيفية استخدام الدبابات، أو المدفعية أو المروحيات، لأنها تعتبر بالضبط مهارات حرب تقليدية شاملة. ويتم الآن دفع الولايات المتحدة، مع حلفائها الأوروبيين أو من دونهم، لبناء جيش جورجي قادر على مواجهة الروس في المرة التالية.
نمت المشاركة العسكرية الأمريكية في جورجيا خطوة خطوة. وفي مفارقة أخرى، بدأت بمهمة تم تصميمها لاسترضاء روسيا. فقد اشتكى الروس، الذين كانوا يقاتلون لسحق تمرد في الشيشان، من أن المقاتلين الشيشانيين يتحصنون في منطقة حدودية جورجية هي ممر بانكيسي. واعتقدت واشنطن أن بعضهم كان على علاقة بالقاعدة. وكانت القوات الجورجية شديدة الضعف غير قادرة على إخراج الشيشان، ولذلك فقد تدخل البنتاجون عام 2002 لتدريب ثلاث فرق مدفعية جورجية وتجهيزها. ويتذكر أحد قدامى تلك العملية قائلا: “كان علينا أن نعطيهم كل شيء، حتى البزات والأحذية العسكرية”. ومع ذلك فإن القوات غير المخضرمة كانت جيدة بشكل كاف لتطهير منطقة بانكيسي، متخلصة، أو هذا ما أملته واشنطن، من منغص للعلاقات الروسية الجورجية.
انتهى ذلك البرنامج في ربيع 2004. واقترحت جورجيا، التي كانت آنذاك مندفعة لتنمية علاقاتها العسكرية الجديدة مع الولايات المتحدة، إسهام بعض تلك القوات في التحالف في العراق. ومنذ يوليو 2005، قامت الولايات المتحدة بتدريب ثلاث فرق جورجية إضافية لبغداد وجهزتها بمعدات أمريكية: عربات همفي مدرعة، وأجهزة لكشف العبوات المتفجرة المصنعة محليا التي تزرع على جوانب الطرق، وأجهزة الراديو وغيرها من الأساسيات. وشكل ذلك حسب مواصفات البنتاجون جهدا تدريبيا ابتدائيا: مهمة تدريب نحو 130 جنديا، بكلفة لم تزد على 200 مليون دولار منذ عام 2002. ويقول دبلوماسي فرنسي في تبليسي: إن الولايات المتحدة قدمت إلى الجورجيين ما يعادل نحو شهر من التدريب الأساسي الفرنسي، لا شيء مقارنة بما سيحتاجون إليه للوقوف في وجه الروس.
قامت جورجيا بجهودها الخاصة. وبينما كان اقتصادها يزدهر تحت حكم الرئيس ميخائيل ساكاشفيلي، نمت ميزانيتها العسكرية من 30 مليون دولار عام 2003 إلى أكثر من 750 مليونا العام الماضي، لكنها اشترت ـــ من دون دعم أمريكي لإيجاد قوات قتالية ثقيلة ـــ دبابات سوفييتية قديمة لكنها قابلة للخدمة من طراز تي 72 من أوكرانيا ومدافع هاوتزر من الجمهورية التشيكية. وقامت جورجيا بمناورة عسكرية بالأسلحة الثقيلة قبل عامين، لكنها كانت إعادة للمناورات العسكرية من الطراز السوفييتي التي كانت تتم قبل جيل وفقا لسيناريو مسبق يتم رسمه بانتباه شديد. وحين غزا الروس البلاد الشهر الماضي، كان أداء الدبابات والمدفعية الجورجية من الحقبة السوفييتية “بدائيا”، وفقا لتحليل أولي قام به الجيش الأمريكي.
يتحدث الجورجيون الآن عن بناء قوات عسكرية أحدث، وأفضل، وأكبر لحماية أنفسهم من عدوان روسي. وهم يقولون إنه يجب أن يكون ذلك جهدا غربيا منظما، ويؤكد مسؤولون عسكريون أمريكيون أنهم مستعدون لمناقشة كيفية إعادة بناء القوات العسكرية مع جورجيا. لكن نائب الرئيس ديك تشيني وعد، في تبليسي الأسبوع الماضي، بأن “أمريكا ستساعد جورجيا على إعادة البناء واستعادة موقعها كواحدة من دول العالم الأكثر نموا اقتصاديا في العالم”، في الوقت الذي تجنب فيه، بشكل مدروس، الحديث عن المساعدة العسكرية.
تثير عملية إعادة البناء العسكري الجورجي أسئلة صعبة. تقنيا، من السهل تجهيز القوات الجورجية بشكل معقول لأغراض دفاعية واضحة فحسب. وقد شرح هاميلتون كيفية تحقيق ذلك في مقالة قصيرة نشرها مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية للتو: “تتضمن الإمكانات المطلوبة منظومة قيادة وسيطرة آمنة، ونظاما دفاعيا جويا متكاملا، وقدرة دفاعية بحرية قوية، وأنظمة مضادة للمدفعية وقدرة فتاكة ضد الدروع”. بكلمات أخرى، فإن ذلك يعني أسلحة تلحق خسارة بأي دبابة، أو سفينة حربية، أو طائرة، أو مدفعية تتقدم نحو جورجيا، لكنها ليست أسلحة ثقيلة تمكّن جورجيا من التقدم نحو جيرانها.
لكن ردة الفعل الروسية المحتملة هي بالطبع أول تحد سياسي لأي جهد عسكري بهذا الحجم. والمشكلة التالية هي كيف سيكون رد فعل دول وسط أوروبا والبلقان الـ10 التي تشكل الأعضاء الجدد في حلف شمال الأطلسي (الناتو) الآن. وهي دول تنتظر بشكل شبه مؤكد الحصول على قدرات دفاعية بالقوة نفسها على الأقل التي تعرضها الولايات المتحدة على جورجيا. وقد أصبح الناتو أخيرا مجبرا على مواجهة التحدي المتمثل في كيفية الدفاع عن أعضائه الجدد. ويقول جنرال أمريكي كبير، تقاعد الآن وتسلم موقعا بارزا في الناتو وافق على الحديث حول خلفية [التطورات] فقط، إن وعد الاتفاقية التي قام الناتو على أساسها، أي البند الخامس الذي يقول إن الاعتداء على عضو في الناتو يعتبر اعتداء على الجميع، قد تم تجاهله إلى حد كبير منذ أن رحب الحلف بأعضائه الجدد منذ 1999 وحتى 2004. الجنرال تشارلز (تشاك) والد، الحائز على أربعة نجوم الذي تقاعد من سلاح الجو وكان نائبا لقائد القوات الأمريكية في أوروبا خلال السنوات الأولى من هذا العقد، يؤكد ذلك رسمـــيا: “كــان الموقف هو الترحيب بزيادة عدد الأعضاء. لم ينظر حلف الناتو إلى البند الخامس“.
بل إن الناتو أقنع أعضاءه الجدد بالعدول عن خططهم الدفاعية الطموحة، وفقا لما يقوله الجنرال والد. وأرادت رومانيا وبلغاريا إنشاء قوات جوية حديثة، فاشترت عدة مئات من الطائرات الممتازة. ويقول والد: “قيل لهما، لا تفعلا ذلك. لقد نصحتا بالتركيز على تقديم «إسهام معين متميز» أي قوات مكافحة الإرهاب ومكافحة التمرد للعمل خارج أوروبا“.
إذن تشكل جورجيا معضلة سياسية صعبة للولايات المتحدة وأوروبا. إذا كانت دفاعات جورجيا بحاجة إلى إعادة بناء، فما هي حال أعضاء الناتو الجدد؟ لقد أخذت الطلبات بالتدفق. ففي أعقاب أحداث جورجيا مباشرة، وقعت بولندا اتفاقية مع الولايات المتحدة لنصب دفاعات صاروخية على أراضيها. لكن الثمن الذي طلبته بولندا ـــ ووافقت عليه الإدارة الأمريكية ـــ كان وضع الدفاعات الجوية التي تديرها الولايات المتحدة على الأراضي البولندية. ومن المرجح أن تكون إستونيا هي التالية. وبالرغم من وجود أقلية روسية كبيرة ومشاغبة ــ وبالرغم من الهجوم الإلكتروني الكاسح الذي شن من روسيا على إستونيا العام الماضي ــ فإنها لم تجر مناقشات ذات أهمية داخل الناتو حول الدفاع عن أرضها منذ أن انضمت إلى الحلف عام 2004، وفقا لمسؤول إستوني بارز في واشنطن قال: “قد تكون هناك حاجة لإعادة التفكير في ذلك”. وقال السفير الأمريكي الجديد للناتو كورت فولكر لصحيفة فايننشال تايمز الأسبوع الماضي إن الناتو بحاجة إلى مزيد من “التخطيط والتفكير” لتعزيز التزاماته الدفاعية لأعضائه من دول البلطيق، “لا باعتباره أمرا سياسيا فحسب، بل وأمرا عسكريا أيضا“.
بعد ثماني سنوات ركزت الولايات المتحدة خلالها على الحرب العالمية على الإرهاب، يبدو أن الإخفاق الكامل في جورجيا سيعيد تركيز انتباه الغرب على التحديات الأكثر تقليدية في القارة الأوربية، وثمن السذاجة السياسية. لكن يبدو من المحتمل أيضا، على المدى الطويل، مواجهة روسيا بعدد من الجيوش أكبر مما لديها من أسباب حقيقية لتخشاها.
بمشاركة أوين ماثيوز في تبليسي













