الإعلامي مصطلح جديد اخترعه المصريون ليعبر عن وظيفة من لا وظيفة له, وطبعا هنا أتحدث عن الإعلامي العادي, أما الإعلامي الكبير فتلك قصة أخري, تحتاج إلي حديث طويل, فـالإعلامي الكبير تشبه إلي حد ما أيضا, فكرة الكاتب الكبير, ولا تدري هل المقصود بها أنه كاتب مسن أو أنه كبير الحجم, أي سمين ومكتظ بالشحوم, أم ماذا؟ ومع ذلك نقرأ كل يوم في الصحافة المصرية عن الإعلامي الكبير الذي حضر الحفل, أو الإعلامي الكبير الذي قص الشريط وافتتح مشروع معرفش إيه, أو دشن معرض مين؟ والذي والذي… العالم كله يعرف أن هناك مهنة الصحافة, ومن يعمل بها يدعي صحفي, من الصحيفة, أو صحافي, من الصحافة, وهي مهنة منسوبة إلي العمل في صحيفة أو إلي الورق ذاته, أي الجورنالجي أو ناقل الخبر أو ما يسمي في الغرب بالمخبر الصحافي. أما الإعلامي فهو مصطلح لا أعرف من أين جاء, وكيف اكتسب هذه الهالة الفخمة الجديدة التي تؤهله لافتتاح معرض أو كوبري, إلي آخر قضايا قص الشريط المعروفة في بلداننا.
إذا كانت وظيفة الصحافة هي إعلام الناس بشيء ما, فهذه وظيفة لا تختلف عن وظيفة المسحراتي, دونما تقليل من قيمة من يوقظنا لتناول طعامنا في رمضان. أما الصحافي فمهنته ليست فقط مجرد نقل الخبر, بل أحيانا تحليله ووضعه في سياقه من الأحداث, أو تغطيته, بمعني أن تضعه ضمن مجموعة قضايا تجعل للخبر معني أو تلقي عليه الضوء, وليس التغطية بمعني أن نضع عليه غطاء, فنحجبه عن العامة.
في مصر اليوم ظاهرة جديدة يصبح فيها الصحافي هو الخبر, حيث يلتقي الصحافيون بعضهم البعض علي شاشات التليفزيون, وبدلا من أن يشير المضيف التليفزيوني إلي ضيفه الصحافي باسمه واسم صحيفته, يقدمه علي أنه الإعلامي الكبير, ويقول في صوت رخيم فخيم: ومعنا هذه الليلة الإعلامي الكبير ليتحدث عن كذا وكذا. والمصريون أساتذة في صناعة الألقاب من الباشا, إلي البك إلي الباشمهندس. وهذا الأخير لقب مصري خالص, لا تجده إلا في مصر. أما الدكتور, فقد حل اليوم مكان الباشمهندس زمان, فسائق التاكسي يقال له دكتور والسباك يقال له دكتور, والموظف العام عندما يظهر علي التليفزيون لا بد أن يشار إليه بلقب دكتور. ولا تعرف هل هذه الدكتوراه التي أخذها صاحبنا هي دكتوراه عرفي أم دكتوراه متعة؟
أصبحت اليوم كلمة إعلامي تعني أننا لا نعرف وظيفة الشخص الحقيقية أو ماذا يعمل؟ الألقاب المصرية لا تعني الكثير, فمثلا يتحدث الخاصة في القاهرة عن المسئول الكبير, فيلقبونه بالباشا, والضابط الصغير في مركز ملوي يقال له باشا أيضا, والسائق أحيانا يقال له باشا, في ظروف معينة. مصر مريضة بالألقاب وبطقوس المبالغة في التفخيم علي الرغم من أننا جميعا نعلم أنه لا تحت القبة شيخ ولا حاجة, حتي الشيخ نفسه, غير مقتنع بلقبه عندما تناديه بالباشا, فهو لا يعرف إن كان من أجل السخرية أم من أجل التفخيم, فإذا أتي اللقب من أصحاب المهنة أو من دونهم فقد يصدق صاحبه أنه أصبح باشا, أما إذا أتي ممن هم أعلي منه مرتبة, فيدرك علي الفور أن المقصود باللقب السخرية.
في مصر ينتشر لقب الإعلامي, كالنار في الهشيم, ولا نعرف ما المقصود باللقب؟ أعرف لقب صحافي عندما نتحدث عن الصحافة, المكتوب منها والمرئي, أما ما عدا ذلك فهو من باب المبالغات المصرية التي لا تفهم خارج حدود مصر, ومع ذلك تؤثر مصر في محيطها, وأخشي اليوم الذي ينتشر فيه لقب الإعلامي الكبير خارج الحدود المصرية.
لا بد من وقف هذه العدوي بأي مصل أو لقاح أو تطعيم ممكن, حتي يكون للأسماء والأشياء معني نعرفه من مسمياتها


















