بعد ثلاثة أيام من انتخابه، أعرب سلف البابا فرانسيس لممثلى وسائل الإعلام عن رغبته فى أن يكون الاهتمام بالفقراء حاضرًا بشكل أوضح فى الكنيسة:»كم أتمنى أن تكون كنيسة فقيرة ومن أجل الفقراء!«.
تعكس هذه الرغبة إدراك الكنيسة على أنها ترى فى الفقراء والمتألمين صورة مؤسسها الفقير والمتألم، فتحرص على تخفيف معاناتهم، وتسعى لخدمة المسيح فيهم. فى الواقع ولأنها دعيت لتكون خادمة وشبيهة بالآخيرين فيجب ألا يكون فيها أى شك، ولا تفسيرات تضعف هذه الرسالة الواضحة جدًا…يجب التأكيد صراحة بدون لف ودوران على وجود رابط لا ينفصم بين إيماننا وبين الفقراء فى هذا الصدد لدينا شهادات عديدة مدة ألفى سنة من تاريخ تلاميذ يسوع.
غنى الكنيسة الحقيقى
يذكر القديس بولس أنه بين مؤمنى الجماعة المسيحية الناشئة، لم يكن فيهم كثير من الحكماء، ولا كثير من المقتدرين، ولا كثير من ذوى الحسب والنسب (١كورنثوس١: ٦٢). ومع ذلك، ورغم فقرهم، كان المسيحيون الأوائل يدركون تمامًا ضرورة الاهتمام بمن كانوا يعانون من حرمان أشد. فمنذ فجر المسيحية، وضع الرسل الأيدى على سبعة رجال مختارين من الجماعة. وضموهم إلى خدمتهم، وعينوهم لخدمة أفقر الناس (الشماسية باليونانية) (أعمال الرسل٦:١-٥). ومن الجدير بالذكر أن أول تلميذ شهد لإيمانه بالمسيح حتى سفك الدم كان إسطفانوس، وهو من تلك المجموعة التى اختاروها لتوزيع الحسنات. فجمع فى شهادة حياته بين خدمة الفقراء وبين الاستشهاد.
بعد أكثر من قرنين بقليل، أظهر شماس آخر إيمانه بيسوع المسيح بطريقة مماثلة، جامعًا فى حياته بين خدمة الفقراء والاستشهاد: هو القديس الأورنسيوس من رواية القديس أمبروزيوس تعرف أن لاورنسيوس الشماس فى روما فى عهد البابا سيكستس الثانى، أجبرته السلطات الرومانية على تسليم كنوز الكنيسة، جاء فى اليوم التالى ومعه الفقراء وعندما سئل عن الكنوز الموعودة، أشار إليهم قائلاً: »هذه كنوز الكنيسة«. ويعلق أمبروزيوس فيقول:»أى كنوز يملكها يسوع أثمن من الكنوز التى يحب أن يظهر نفسه فيها؟ ثم يذكر أن خدام الكنيسة يجب عليهم الا يهملوا رعاية الفقراء، ولا يراكموا الأموال لمصلحتهم الخاصة، فيقول: »يجب القيام بهذه المهمة بإيمان صادق وحكمة بعيدة النظر من المؤكد أن من يجنى من ذلك منفعة شخصية يرتكب خطيئة أما إذا وزع العائدات على الفقراء، أو فدى سجينًا، فإنه يقوم بعمل رحمة.
آباء الكنيسة والفقراء
منذ القرون الأولى، رأى آباء الكنيسة فى الفقراء وسيلة مميزة للوصول إلى الله، وطريقًا خاصًا للقائه لم يروا فى المحبة للمحتاجين فضيلة أخلاقية بسيطة فقط بل تعبير عملى عن الإيمان بالكلمة المتجسد. وقد تأصلت جماعة المؤمنين، مؤيدة بقوة الروح القدس فى القرب من الفقراء، فلم تعتبرهم أمرًا ملحقًا بهم، بل جزء لا يتجزأ من جسد الكنيسة الحى، فعلى سبيل المثال، حث القديس أغناطيوس الأنطاكى، وهو سائر نحو الاستشهاد، مؤمنى جماعة إزمير على عدم إهمال واجب المحبة تجاه من هم فى أمس الحاجة، محذرًا إياهم ألا يتصرفوا مثل الذين يعارضون الله: انظروا إلى الذين يخالفوننا الرأى فى نعمة يسوع المسيح الذى جاء إلينا كيف يعارضون تدبير الله. إنهم لا يهتمون بالمحبة، ولا بالأرملة، ولا باليتيم، ولا بالمظلوم، ولا بالسجين أو الحر، ولا بالجائع أو العطشان. وقد أوصى أسقف إزمير، بوليكاريس، صراحة خدام الكنيسة بأن يهتموا بالفقراء:»ليكن الكهنة لطفاء ورحماء مع الجميع، وليعيدوا الضالين، ويزوروا جميع المرضى، ولا يهملوا الأرملة، واليتيم، والفقير بل ليهتموا بالإحسان أمام الله والناس من هاتين الشهادتين نرى أن الكنيسة تظهر أمًا للفقراء، ومكانًا للترحيب والعدالة.
أوضح القديس يوستينس من جهته، فى كتابه »الدفاع الأول«، الموجه إلى الإمبراطور هادريانس وإلى مجلس الشيوخ والشعب الرومانى، أن المسيحيين يقدمون كل ما يقدرون أن يقدموه إلى المحتاجين، لأنهم يرون فيهم إخوة وأخوات فى المسيح. وكتب عن اجتماعهم للصلاة فى اليوم الأول من الأسبوع قال: فى جوهر الليتورجية المسيحية، لا يمكن فصل عبادة الله عن الاهتمام بالفقراء. لذلك، فى لحظة معينة من الاحتفال، يعطى الأغنياء والراغبون فى ذلك ما يريدون. وما يجمع يقدم للرئيس، وهو يساعد الأيتام والأرامل والمحتاجين بسبب المرض أو لأى سبب آخر، والسجناء والغرباء الذين بيننا باختصار. إنه يهتم بكل محتاج»يظهر هذا أن الكنيسة الناشئة لم تفصل الإيمان من العمل الاجتماعى فالإيمان الذى لا ترافقه شهادة الأعمال، كما يعلم القديس يعقوب، يعتبر مينا« (يعقوب٢:٧١).
[ البقية العدد المقبل ]















