في الخامس والعشرين من يناير, خرج عشرات آلاف المصريين في مظاهرات في كبري المدن من الإسكندرية إلي القاهرة مستلهمين من الأحداث التي وقعت في تونس. وتعتبر هذه المظاهرات هي الأكبر في مصر منذ ##انتفاضة الخبز## التي وقعت في أواخر السبعينيات من القرن الماضي. وقد قامت الحكومة, التي لم تتخذ في باديء الأمر أي إجراء لمواجهة المتظاهرين في ##ميدان التحرير## بالقاهرة, قامت أخيرا باتخاذ إجراءات لتفريقهم بالقوة في وقت متأخر بعد منتصف الليل. وفي 26 يناير, أعلنت وزارة الداخلية أنه لن يتم التساهل بعد الآن مع التجمعات والاحتجاجات العامة; وقد حدثت أيضا مواجهات أخري في القاهرة والسويس. ويتوقع خروج المزيد من المظاهرات بعد صلاة الجمعة (28 يناير). فهل سيؤدي نهج الحكومة إلي قمع هذه المظاهرات أم انتشارها؟ وما هو الموقف الذي ينبغي أن تتخذه واشنطن؟
هل سيتكرر السيناريو التونسي؟
في خطابه عن ##حالة الاتحاد## في 25 يناير, أوضح الرئيس أوباما أن الولايات المتحدة ##تقف مع الشعب التونسي وجميع الشعوب التي تسعي إلي تحقيق الديموقراطية##, وهي رسالة لها دلائل واضحة — وإن شابها بعض الغموض — بالنسبة لمصر, أقرب الحلفاء العرب للولايات المتحدة. ولكن ما مدي التشابه بين ##ثورة الياسمين## التونسية و##يوم الغضب## المصري؟ في الظاهر, تبدو معظم العلامات متطابقة, ولكن النظام الاستبدادي الذي يتمتع بقدر أكبر من المرونة في مصر بالإضافة إلي الجيش المصري الأقوي والأكثر احتراما, يجعل أمر حدوث ثورة واسعة النطاق تطيح بنظام الرئيس مبارك في الأيام القادمة مستبعدا بشكل كبير. ومع ذلك, لا بد أن تكون الاحتجاجات بمثابة صيحة إنذار لـ ##الحزب الوطني الديمقراطي## الحاكم تنذره بأن آماله في انتقال سلس للسلطة تواجه معضلة كبيرة وأن الاستجابة الاقتصادية وحدها (مثل تسهيل عمليات إصلاح الدعم) لن تكفي لإصلاح عقد اجتماعي مصاب بأضرار بالغة.
هل كانت الدوافع الاقتصادية وراء اندلاع المظاهرات الاحتجاجية؟
كما هو الحال في تونس, يعاني الشباب المصري — الذي يشكل نسبة 70 % من السكان — من ارتفاع معدلات البطالة; بل المثقفون المصريون يجدون صعوبة في الحصول علي وظائف سواء في القطاع العام (الذي يتضاءل دوره) أو في القطاع الخاص (الذي لم يعدهم تعليمهم بشكل جيد له). وتعيش الغالبية العظمي في مصر, البالغ عدد سكانها أكثر من ثمانين مليون نسمة, علي أقل من أربع دولارات يوميا. وفي الوقت نفسه, ارتفعت تكاليف المعيشة بشكل مطرد في حين تسعي الحكومة لإجراء إصلاح اقتصادي شامل وطموح, الأمر الذي رحب به ##صندوق النقد الدولي## إلا أن آثاره علي الشعب كانت محدودة بشكل ملحوظ.
يذكر أن الجهود الأخيرة لإجراء إصلاحات علي الدعم الحكومي للبنزين, والكهرباء, والخبز, قد فاقمت فقط من حدة الإحباطات المتزايدة والشعور بالعجز التي تشبه تلك التي انتابت محمد بوعزيزي الشاب التونسي البالغ من العمر 26 عاما, حيث أدت تضحيته بنفسه إلي إشعال لهيب ##ثورة الياسمين##. وفي واقع الأمر, قام عدد من المصريين بمحاكاة مأساة بوعزيزي منذ الإطاحة بالرئيس التونسي زين العابدين بن علي, الأمر الذي دفع الحكومة المصرية إلي حظر بيع البنزين في أية أوعية, كما قامت بتزويد أفراد الأمن في المباني العامة بطفايات الحريق.
ومع ذلك, فإن الصعوبات الاقتصادية لا تفسر تلك الاحتجاجات بشكل تام, فقد ألف المصريون مثل هذه المشقات منذ زمن طويل. وعلي الرغم من أن قدامي المراقبين كانوا يقللون من الفكرة بأن المصريين, الذين غالبا ما يوصفون بأنهم سلبيون وغير مسيسين, سيفضلون التغيير علي الاستقرار, فقد انطبق هذا الأمر أيضا علي التونسيين, وأن سعيهم الأولي بالمطالبة بالإصلاح الاقتصادي, قد تحول علي نحو مثير إلي مطالب سياسية وتغيير كلي مع زيادة حدة الاحتجاجات.
هل هي ثورة إعلامية جديدة؟
من أوجه الشبه العجيبة مع الثورة التونسية أن رسائل موقع التواصل الاجتماعي ##فيسبوك## وموقع ##تويتر## للتدوين المصغر هي التي أثارت المظاهرات الاحتجاجية الضخمة في مصر. ومع ذلك, فقد كان للحركة المصرية قيادة أكثر تقليدية كما أنها لم تتسم بنفس النوعية العفوية التي اتسمت بها ##ثورة الياسمين##, حيث كانت كل من حركتي ##كفاية## (التي تأسست أثناء ما يعرف بـ ##الربيع العربي## في عام 2005) و##حركة شباب 6 أبريل## (المرتبطة بالإضرابات العمالية التي وقعت في عام 2008) نشطة في تنظيم الاحتجاجات التي وقعت في الخامس والعشرين من يناير.
وفي الواقع, كان للحكومة المصرية الوقت الكافي للاستعداد, حيث تم الإعلان عن ##يوم الغضب## وخطط تنسيقه علي الملأ, قبل أسبوع واحد علي الأقل. وردا علي هذا الإعلان, لجأت قوات أمن الدولة إلي أساليبها المعتادة, وقامت باعتقال عدد من رموز المعارضة البارزين مهددة إياهم بعقوبات شديدة في حال مشاركتهم. وربما يكون هذا التهديد قد نجح مع ##جماعة الإخوان المسلمين## ,##الجماعة##] التي لم تشارك رسميا ,في المظاهرات الاحتجاجية] (علي الرغم من سماحها للآلاف من أعضائها بالمشاركة## ##بصفتهم الشخصية## — انظر أدناه لمعرفة المزيد من المعلومات عن ##الإخوان المسلمين##). وفي بيان صدر من قبل مدير أمن القاهرة قبيل المظاهرات الاحتجاجية لم المدير في كلماته حيث قال: ##سوف تتعامل أجهزة الأمن بكل حزم وحسم لأية محاولة لخرق القانون.##
اعتقدت الحكومة المصرية من دون شك, أن من شأن هذه الأساليب أن تشتت زعماء المعارضة, وأن تكون المظاهرات الاحتجاجية المزمعة صغيرة ويمكن السيطرة عليها. بيد, كانت الحكومة مخطئة. فحتي رموز المعارضة التقليديين — والذين دائما ما كان يتم انتقادهم بسبب عدم فعاليتهم — أصيبوا بالدهشة من حجم المشاركة, حيث كان المصريون العاديون هم أبطال المظاهرة الأساسيين. وبعد ظهر اليوم نفسه, قامت الحكومة المصرية بحجب موقعي ##تويتر## و##فيسبوك##, وهي خطوة غير مسبوقة من قبل حكومة تفتخر عادة بنفسها بأنها تمتنع عن رقابة الإنترنت.
تكمن نقاط الضعف والقوة المتزامنة للمظاهرات الاحتجاجية في تونس, في عفويتها وتلقائيتها, ومن واقع عدم ظهور زعيم واحد أو زعماء معينين كمتحدثين باسم المتظاهرين, الأمر الذي سمح بنمو المظاهرات بصورة طبيعية اعتمادا علي الأفراد. وفي مصر, يدل هذا المزيج — بين قيادة معارضة تقليدية والرغبة الواسعة بين المصريين العاديين في الانضمام للمظاهرات — علي وجود تطور في المظاهرات الاحتجاجية المصرية التي قد تصبح حقا ذات قاعدة عريضة.
أين كان ##الإخوان المسلمون##؟
تم في الأصل تنظيم ##يوم الغضب## كقضية علمانية; بيد, قامت ##جماعة الإخوان المسلمين## بدعم أهدافه علي نطاق واسع. وقد اعترفت ##الجماعة## قبل المظاهرات المصرية بأيام بالأهمية الكبري لهذه الأحداث في تونس وامتدحت الإطاحة ببن علي.
ففي 20 يناير, أصدرت ##الجماعة## بيانا رسميا هنأت فيه الشعب التونسي ,بنجاح] ثورته وأشارت إلي ##الرسالة الواضحة## التي تحملها إلي ##الأنظمة الاستبدادية الفاسدة التي هي ليست بمأمن من ذلك.## وأشارت ##الجماعة## إلي أنه من المهم الملاحظة بأن ثورة تونس مثلت ##نقطة تحول تاريخية## لأن ##الأسباب والدوافع التي أدت إلي هذه الانتفاضة المباركة قائمة في العديد من دول المنطقة … وخاصة في بلدنا مصر.## وقد أعادت ##الجماعة## نشر سلسلة من المطالب التي طالما نادت بها والتي تشاطرها إياها أطياف المعارضة ,المصرية] الأوسع, بما في ذلك إنهاء حالة الطوارئ وتنفيذ إصلاحات اقتصادية حقيقية واتخاذ إجراءات ضد الفساد الرسمي والعفو عن جميع المعتقلين السياسيين وقطع جميع العلاقات مع إسرائيل.
وبعد أيام من بيان ##الإخوان المسلمين## حول تونس, أكدت ##الجماعة## أنها ستشارك في الاحتجاجات المصرية. ووفقا لمرشد ##الجماعة## محمد بديع, تمثل مشاركة ##الإخوان## التزام مصر تجاه ##تحقيق التغيير من خلال الوسائل السلمية.## ولأسباب لا تزال غامضة, قررت ##الجماعة## علي مايبدو أن قيادتها لن تشارك وأنها لن تلعب دورا محوريا في أحداث 25 يناير. وعلي الرغم من ذلك لم تمنع هذه الخطوة قيام وزارة الداخلية بإلقاء اللوم علي ##جماعة الإخوان المسلمين## بشأن المظاهرات.
وفي الوقت الراهن, تبقي ##الجماعة## وراء الكواليس, وربما تأمل في تجنب ,قيام السلطات المصرية] بإجراءات قمع صارمة ضد أفرادها الذين عادة ما تأتي في أعقاب مثل هذه الاحتجاجات. (وسيكون تجنب المشاركة في أي مظاهرات عقب صلاة الجمعة أمرا صعبا.) وقد تتطلع ##جماعة الإخوان المسلمين## للاستفادة من ##يوم الغضب## علي حساب خصومها السياسيين. فعلي سبيل المثال, في الفترة التي سبقت الأحداث, أكد الموقع الإلكتروني لـ ##الجماعة## علي حقيقة أن أقباط مصر المسيحيين والمنافس البارز علي الرئاسة المصرية محمد البرادعي سيمتنعون عن المشاركة في الاحتجاجات.
وحتي مع ذلك, من المحتمل أن يكون عمق واتساع ##يوم الغضب## قد أرسل صدمة إلي أجهزة النظام الذي كان فعلا غير مستقرا للغاية بشأن انتقال السلطة الذي يصاحب الرحيل المتوقع للرئيس حسني مبارك عن المشهد السياسي خلال السنوات القليلة القادمة. ومن المحتمل أن تمثل هذه الاحتجاجات جرس إنذار طبيعي أخير لحكومة طالما سعت لإبطال الفرص السياسية المتعددة التي خلقتها بنفسها عام 2005, حيث قامت القاهرة بشكل استراتيجي بغلق كافة قنوات التأثير السياسي خارج الحزب الحاكم.
وحاليا, أعلنت الحكومة التراجع عن تخفيض المعونات, ومن المحتمل أن تبحث عن وسائل أخري للتخفيف من شعور الناس بالضائقة الاقتصادية. أما فيما يتعلق بالمجال السياسي, فعلي الحكومة المصرية إتاحة الفرصة لنقابات العمال غير الإسلامية, بالعمل بحرية, كما ينبغي عليها وضع حد لمضايقة الأحزاب المصرية التي هي إلي حد كبير ليبرالية, والسماح بتشكيل أحزاب جديدة. وبالمثل, عليها التراجع عن الإجراءات التي اتخذتها ضد وسائل الإعلام الحرة والقضاء المستقل. ومن جانبها ينبغي علي إدارة أوباما — التي أكدت في 25 يناير ##أن أمام الحكومة المصرية فرصة هامة للاستجابة لتطلعات الشعب المصري## — أن تشجع النظام علي المضي قدما وبسرعة تجاه هذه التطلعات. ومن غير المرجح أن يؤدي اختيار اتباع سياسات أكثر قمعية إلي حل الأزمة, ومن شأن ذلك أن يضع القاهرة علي مسار تصادمي مع الولايات المتحدة.
فورن بوليسي


















