السادس عشر من يناير سنة 1938م.. صفحة مطوية من أوراق الزمن الجميل, لم يتطرق إليها كثيرون من المعنيين بتاريخ مصر والمتابعين لنهضتها الحديثة التي وضع لبناتها مؤسس الأسرة العلوية محمد علي.
في ذلك اليوم احتشد آلاف المزارعين مع لفيف من الشخصيات السياسية ونواب الأمة ورموزها وهم يلوحون بالورود في مظاهرة وطنية كبيرة يسودها الفرح والحب والفخر لأن أحد أحلام مصر خرج للنور. في ذلك اليوم.. ووسط هذه الجموع الغفيرة افتتح فاروق الأول المتحف الزراعي المصري الذي اعتبره الكثيرون ممن شاهدوا ذلك الحدث وكتبوا عنه بأنه تحفة معمارية, يضارع من حيث تصميماته وروعة محتوياته متحف بودابست الزراعي وهو الأول من نوعه في العالم.
ذلك اليوم أصبح من الأيام الخالدة في التاريخ المصري منذ إنشاء متحف بودابست الزراعي الملكي بالمجر الذي بني سنة 1907م وافتتحه الملك فرانسيس جوزيف في التاسع من يونية من نفس السنة. أصر الملك فؤاد الأول علي أن يكون بمصر متحف زراعي يجمع تاريخ مصر الزراعي, وحدث أنه في الواحد والعشرين من نوفمبر سنة 1929م, أصدر مجلس الوزراء المصري قرارا بإنشاء المتحف, وتم تكليف جلال بك فهيم السكرتير العام لوزارة الزراعة وقتئذ بمهمة وضع تقارير شاملة عن حالة المتاحف الزراعية في العالم ككل وبودابست خاصة, وبعد الانتهاء من إعدادها عزم الملك علي إنشاء متحف زراعي يكون بمثابة معهد للثقافة العامة والنهوض بالزراعة في شتي نواحيها وما يتصل بها من الصناعات الزراعية المختلفة, ووقع الاختيار علي سراي الأميرة فاطمة إسماعيل شقيقة الملك فؤاد ليكون مقرا للمتحف المزمع إنشاؤه نظرا لقربه من وزارة الزراعة المصرية بالإضافة إلي عظم مساحته التي تبلغ الثلاثين فدانا, ويعد بمساحته هذه أحد أكبر المتاحف الزراعية في العالم والأكبر وسط المتاحف المصرية.
بدأ العمل بالمتحف الزراعي سنة 1930م, وفي بادئ الأمر عهد إلي خبير أجنبي يدعو المسيو ألاجوس دي بيكرت مهمة إدارة المتحف وذلك أواخر يناير سنة 1931 الذي كان مديرا لمتحف بودابست الزراعي غير أنه لم يلبث مدة طويلة حتي استقال وعين إيفان ناجي خلفا له سنة 1933م وكان هو أيضا مديرا لمتحف بودابست. وقد قام إيفان سنة 1935 بإنشاء مبني مستقل علي نفس طراز القصر ليكون معرضا للمملكة النباتية, ولما انتهي تعاقده للعمل أسندت إدارة المتحف إلي محمد بك ذو الفقار الذي يعد أول مدير مصري يتولي إدارة المتحف وذلك في 21 فبراير سنة 1936م, وقد قام بإنشاء قاعة المحاضرات والسينما والمكتبة عام 1937. وتقدر النفقات التي أنفقت علي المتحف الزراعي من يوم إنشائه إلي نهاية سنة 1938 بحوالي الثلاثمائة ألف جنيه.
بعد الانتهاء من كافة الترتيبات الفنية وجلب النباتات النادرة من مختلف البقاع وجمع أدق المعلومات عن حياة الفلاح وأنواع المحاصيل والحشرات, احتفلت مصر بافتتاح المتحف الزراعي بحضور الملك فاروق الذي حقق آمال والده في بناء هذا الصريح العظيم.
داخل المتحف الزراعي أول ما يلفت الأنظار ذلك البهو الكبير الذي يضم تمثالا رمزيا للنيل مهدي من البابا مأخوذا عن الأصل الموجود بالفاتيكان وهو يمثل نهر النيل برجل شهم قوي العضلات يوحي إلي ناظره بالقوة والصحة ويستند إلي أبي الهول ويحيط به ستة عشر طفلا يلهون ويلعبون وهو ممسك بيده اليمني خصلة من سنابل الغلال رمزا لخيرات الوادي. علي التمثال خريطة مغطاة بالبللور الثمين رسم عليها حوض النيل وعلي مقربة منها نموذج لتمثالين منحوتين من الجرانيت الأسود يمثلان الإله حابي وكل منهما واقف خلف مذبح عليه أسماك وطيور وعيدان اللوتس, وقد أهدي عمر طوسون – أحد أفراد الأسرة العلوية – للمتحف عدة خرائط عظيمة من حيث قيمتها التاريخية.
وعلي جانبي مدخل المبني طاولة أعدت لتسجل عليها الزيارات المهمة, وكان أول من وقع عليها الملك فاروق الذي ظل يجول في أرجاء المتحف مدة ثلاث ساعات متوالية.
ويضم المتحف كل ما يتعلق بالزراعة المصرية القديمة حيث يعرض للأطوار التي مرت علي الزراعة في مصر منذ أقدم العصور بداية من العصور الفرعونية والأدوات التي كانوا يستخدمونها في الزراعة, إلي جانب مجموعة من الأزهار والحبوب والأدوات المنزلية وهياكل الحيوانات الأليفة ومومياواتها, ثم حجرات القمح والشعير وحجرات القطن.
ومن روائع المتحف الزراعي أنه يضم ضمن محتوياته حجرة شهيرة تسمي حجرة القطن وتكاد تكون هي الأشهر بين حجرات المتحف, ويستوقفنا أن هناك صنفا من القطن يعتبر نواة من الحاضر وزرع في عهد محمد علي, وكان ذلك علي يدي رجل فرنسي اسمه جوميل استلفت نظره ما لهذا الصنف من مميزات تفوق كثيرا من الأصناف المزروعة في هذا العصر.. فعمد إلي إكثاره فكان عمله هذا سببا في رخاء مصر وأهلها وازدياد ثروتها الزراعية.
يتألف الدور الأول من حجرات الواحات, فحجرة الصحاري التي تزخر بالخرائط الاستكشافية التي تمت في الصحراء الغربية منذ اندلاع الحرب العالمية الأولي, والخرائط الجيولوجية لصحراء سيناء ومناجمها والصحراوين الشرقية والغربية, تليها حجرة وزارة الزراعة, فحجرة التعاون التي تتوسطها خريطة بارزة كبيرة مضاءة بالألوان الكهربائية لتوضيح مقادير المحاصيل الرئيسية بالقطر المصري ومدي تقدمها كل خمس سنوات.
أما الطابق الثاني فيتألف من حجرة الألياف ثم حجرات الزيوت ثم بهو البقول فحجرة القصب فحجرة الكحول فالدخان فالأخشاب فحجرة البساتين التي تنقسم إلي ثلاث حجرات أولاها وثانيها الخضراوات والفاكهة التي يطلع المزارع من خلالها علي كافة الأصناف الزراعية ملحق بها صور عن كيفية زراعتها والعناية بها, وثالثها تجارة البساتين التي تعرض بها جميع منتجات معمل الصناعات التابع لقسم البساتين, فحجرة اختبار البذور وتنظيفها وكانت مختصة بفحص جميع بذور التقاوي علي خلاف أنواعها بالمجان لجميع المصالح الحكومية والهيئات والأفراد, كما كانت تقوم بفحص البذور المراد تصديرها إلي الخارج كتقاوي, وذلك نظرا لكونها عضوا في الاتحاد الدولي, وكانت تعطي عنها شهادة دولية وتتعاون مع مثيلاتها في هذا المضمار الخاص بفحص البذور.
أما الطابق الثالث في المتحف الزراعي المصري فهو مخصص لعلم الحيوان ويتألف من حجرة الدجاج فحجرة التفريغ فحجرة الدواجن فحجرة الأغنام والماعز فحجرات الأحياء المائية ومنتجاتها فحجرة تربية النحل ودودة القز فحجرة مقاومة الآفات فحجرة الحجر الزراعي فحجرة المجموعة الحشرية فصالة التاريخ الطبيعي فصالة الحيوان فحجرة الهياكل العظمية فحجرة أمراض الحيوان فحجرة وظائف الأعضاء فحجرة الألبان فحجرة المعلومات العامة فحجرة الجمال تليها الجاموس ثم البقر ثم الحمير والبغال ثم الخيل ثم حجرة الركائب فصالة الطيور.
كما خصص المتحف صالة بأكملها لتمثيل حياة الفلاح تتوسطها نافورة مياه من الطراز العربي محاطة بعدد من المقاعد الخشبية بجانبها تماثيل ملونة من الجبس تمثل أشخاصا ريفيين في أوضاع عديدة ومناظر مختلفة, كما تضم القاعة نموذجا كبير الحجم لإسطبل جاموس بدائرة الأمير كمال الدين بشارع الهرم, وقد زينت حوائط القاعة بلوحات زيتية تمثل مناظر ريفية ملونة, وصورا للأمراض الشائعة بين الفلاحين مسجلا عليها من أسفل طرق الوقاية منها.
وكان بحجرة الري نموذج لقناطر نجع حمادي التي أنشئت عام 1930م من أجل رفع المياه لتكفي ري حياض مديريتي جرجا وأسيوط, وبلغت تكاليفها آنذاك نحو الأربعة ملايين جنيه.
ولم تغفل إدارة المتحف السودان فخصصت له صالة بأكملها مفروشة بالأكلمة الصوفية السودانية ووضعت فيها صناديق زجاجية كبيرة جمعت فيها حاصلات السودان ومن أهمها بذرة القطن ومصنوعات السودان من أحذية وحقائب وجلود, وصور لحيوانات السودان ومن أشهرها ثيران النيل الأزرق.
كان المتحف ساعة افتتاحه كالعروس في أبهي حلتها, من تنسيق في عرض الصور النادرة والأدوات القيمة واللوحات الريفية.. فأصبح شاهدا حيا علي الأحوال الزراعية بالبلاد ومصدرا للإخصائيين والمزارعين يعينهم علي توثيق دراستهم بالمعلومات الدقيقة, فهو لم يكن متحفا زراعيا فحسب بل مدرسة يستقي منها الطالب إجابة لأسئلته, وصورةناطقة لأحوال الديار المصرية زراعية كانت أم اقتصادية.. فهكذا كان الحال في الزمن الجميل, تري كيف الحال الآن؟!


















