الدكتورة أماني الطويل في حوار خاص ل”وطني”

2018-01-30 (02:09 PM)

حوار : ليليان نبيل


تصوير ناصر صبحى

– مصر لديها أوراق تدعم موقفها الأخلاقي بشأن سد النهضة أمام المجتمع الإقليمي والدولي .. و هذا ما يدعمها في تدويل القضية خلال المرحلة المقبلة.

– لدينا إدراك ووعى من قبل النظامين الحاكمين في مصر والسودان تاريخيا بالا تتعرض هذه العلاقة للانهيار

– الكنيسة السودانية ذات جذور مصرية .. ولا نغفل أن الأقباط المصريين الذين هاجروا إلى السودان هم من حملوا الديانة المسيحية داخلها.

– في تقييمي أن مباحثات “ديسالين” في القاهرة فشلت بعدم طرحه أي تقدم على المستوى الإجرائي، سواء فيما يتعلق بمسألة التخزين الأولى أو السقف الزمني للتخزين النهائي وما مدى قبول وجود جهة ثالثة للتحكيم بين الأطراف.

– ملف سد النهضة شائك ويتم التعتيم عليه من الجانبين حتى لايمارس معه نوع من أنواع تضخيم للأزمة عبر الإعلام.

– مصر حاولت بقدر المستطاع أن تدير أزمة سد النهضة بحكمة وأن تسير في إطار تعاوني وليس صراعي مع إثيوبيا

– اشتدت أزمة حلايب وشلاتين بعد محاولة اغتيال الرئيس مبارك و قرار غلق الحدود .

– مصر ترفض ما تسعى إليه السودان من مقايضة بتغير موقفها حيال مسألة سد النهضة إذا ما وافقت على حل الملف الحدودي.

– مصر ترفض اللجوء للتحكيم الدولي في قضية حلايب وشلاتين من منطلق أنه لاتحكيم على منطقة ذات سيادة مصرية

– مصر تاريخيا لم تساند أي نظام عقابي دولي ضد أي دولة داخل الإقليم

– على الإعلام وضع المصلحة الوطنية أولا في تناوله العلاقات المصرية السودانية

تؤمن أن العلاقات المصرية السودانية ذات خصوصية تاريخية وإنسانية لكونها بقدر ما تتعرض لأزمات إلا أنها لا تتعرض للانهيار بفضل الوعي والإدراك لدى النظامين الحاكمين داخل مصر والسودان، أي ما كان بينهما من ملفات شائكة قد يحاول البعض التلاعب بها والعزف على وترها كي يفتت أو يقسم تلك العلاق، لتجد كل منهما يسعى بالدفع بالعلاقات الثنائية إلى آفاق أرحب ليسيرا معا في إطار تعاوني لتشهد تقدما إيجابيا كبيرا في مختلف المجالات….. إنها دكتورة أماني الطويل، مديرة البرنامج الإفريقي بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، والتي كان معها هذا الحوار حول العلاقات المصرية السودانية.

+ بشكل عام كيف ترين العلاقات بين مصر والسودان في ظل وجود ملفات شائكة بين البلدين ؟

++ العلاقات المصرية السودانية لها خصوصية تاريخية وإنسانية لكونها بقدر ما تتعرض لأزمات وهزات إلا أنها لا تتعرض للانهيار، وذلك لمدى الوعي والإدراك لدى النظامين الحاكمين في مصر والسودان تاريخيا أن لا تتعرض هذه العلاقة للانهيار نظرا لوجود روابط غير رسمية تربط مصر والسودان على المستوى الشعبي أيضا، وعلى الصعيد الاقتصادي نجد وجود سوداني مميز داخل مصر في المقابل وجود مصري مميز داخل السودان، بالإضافة إلى المكون العاطفي الذي يلعب دورا في هذه العلاقة والذي يرتبط بأمرين، أولهما أن الحركة السياسية السودانية تاريخيا تأثرت بالحركة السياسية المصرية، كما أن للنخب غير الحاكمة علاقات بينهما، أما الأمر الثاني يتعلق بعلاقات نسب ومصاهرة بين الشعبين، و لعل الأمر لا يدعنا نغفل أن الكنيسة السودانية هي ذات جذور مصرية، فبطبيعة الحال لم يكن داخل السودان مسيحيين ومن ثم الأقباط المصريين الذين هاجروا إلى السودان هم من حملوا الديانة المسيحية داخلها، وبالتالي فهى علاقة تحمل أكثر من مستوى منها ما هو رسمي والذي غالباً ما يتعرض لهزات و منها ما هو غير رسمي وشعبي و هو المكون الذي يحمي تلك العلاقات من الانهيار .

العلاقات المصرية السودانية علاقة مأزومة منذ استقلال السودان لأكثر من سبب، ربما أحد هذه الأسباب أن الاتفاق الذي تم بين الدولتين فيما يتعلق باتفاق تقرير المصير، فيما يتعلق بمسألة مصير السودان لن يتم تنفيذه إجرائيا و تم إعلان استقلال السودان من قبل البرلمان وليس عبر استفتاء شعبي، الأمر الثاني ما يرتبط بأزمة حلايب بكونها أزمة تاريخية ممتدة على خلاف حدودي لا يتم اللجوء إليها إلا كآلية لإظهار أن هناك أزمة، أما عن الأزمات الأخرى فهي مرتبطة بتقاطعات بين النظامين السياسيين المصري والسوداني حينما يكون كل منهما في اتجاه وليكن على سبيل المثال خلال فترة البشير الأولى قبل عام 1999 كان واضح للغاية أن هذا النظام منتمي للإخوان المسلمين، وبالتالي كان هناك أزمة مع نظام مبارك ولنجد أن الوضع على العكس خلال فترة النميري فكان توجهات البلدين بين السادات و النميري توجهات واحدة على الصعيد الدولي، وكان لديهم علاقة مميزة بالولايات المتحدة الأمريكية، ومن ثم كان هناك انسجام بين النظامين سمح بان يتم توقيع اتفاق التكامل بين البلدين الذي تم إلغائه بعد ذلك من الجانب السوداني .

+ 3 ملفات عكرت صفو العلاقات بين مصر و السودان، أي مدى تسببت أزمة سد النهضة في إحداث حالة من التوتر بين العلاقات المصرية السودانية ؟

++ يعد سد النهضة سببا رئيسيا من أسباب التوتر بين البلدين في اللحظة الراهنة لتحالف السودان مع إثيوبيا وليس مع مصر رغم أن المسألة فنية تتعلق بمصالح دولتي المصب حتى إذا اعتبرت السودان ذاتها كدولة ممر وليست مصب ليس من مصالحها الاستراتيجية أن تكون محابس النهر العليا في إثيوبيا، ولعل السودان لاعتبارات مرتبطة باحتياجات النظام الحاكم لموارد اقتصادية بعد انفصال جنوب السودان وفقدانه للمصادر النفطية كان مضطرا لاعتبار أن سد النهضة مفيد له لاسيما و أن هناك وعد إثيوبيي بحصوله على منافع على صعيد الطاقة الكهربائية، كما أن سد النهضة ربما بإمكانه حماية السودان جزئيا من فيضانات النيل الازرق . و على ايه حال على المستوى بعيد المدى وعلى المستوى الفنى على الاقل حاليا نجد انفسنا أمام سد لا نعرف مدى تهديده للحياة الإنسانية بغض النظر عن مسألة المياه نظرا لعدم وجود رقم معلن لمعامل الأمان لهذا السد، فلم يقم على أساس دراسات فنية مستفيضة لجهات يتم الوثوق في قدراتها الفنية بتعطل دراسات التأثير التي تم الاتفاق عليها في إطار اتفاق المبادىء الموقع بين مصر والسودان وإثيوبيا عام 2015، لذا يعبر ذلك السد عن طموح إقليمي إثيوبي أكثر عنه احتياجات تنموية لكون الطاقة التي يتحدثون عن استخراجها أو توليدها من المياه خلف السد لا تتجاوز 6 آلاف ميجاوات وهو رقم بامكانهم الحصول عليه من قبل سدود صغيرة متفرقة ربما على أحواض أنهار اخرى تمتلكها إثيوبيا و خاصة و أننا نعلم أن إثيوبيا هي نافورة إفريقيا لديها مصادر متعددة من المياه ولديها أحواض أخرى للانهيار ولديها أيضا أمطار بكثافة .

+ ما تقييمك لزيارة ” ديسالين ” رئيس وزراء إثيوبيا للقاهرة وما تم من مفاوضات بهذا الشأن ؟

++ كان من المفهوم أن سد النهضة موضوع محوري في المباحثات وجميعنا تابعنا المؤتمر الصحفي وكيف وجه الرئيس السيسي كلامه إلى “ديسالين” و قال له “قل ما عندك للشعب المصري فيما يتعلق بسد النهضة”، ولكن في تقييمي فشلت المباحثات لأنه كان من الواضح بقراءة لغة الجسد أن هناك غضبا واضحا على وجه الرئيس السيسي بعدم طرح “ديسالين” أي تقدم على المستوى الإجرائي سواء فيما يتعلق بمسألة الاتفاق أو مسألة التخزين الأول أو السقف الزمني للتخزين النهائي أو ما هي الدراسات الفنية أو ما مدى قبول الاقتراح بشأن وجود جهة ثالثة للتحكيم بين الأطراف، وبالتالي أجد أن المباحثات قد فشلت .

+ فى رأيك لماذا رفضت إثيوبيا طلب مصر بمشاركة البنك الدولي كطرف محايد في مفاوضات اللجنة الثلاثية، وما أسباب التخوف من مشاركة البنك الدولي في المفاوضات ؟

++ بطبيعة الحال لم تتقدم مصر رسميا بطلب للبنك الدولي لكونه أمر يستلزم موافقة الدول الثلاثة ولهذا مصر انتظرت رد كل من السودان وإثيوبيا وبالتالي نستطيع القول أن البنك الدولي قد أحيط علما بذاك المطلب، أما عن رفض إثيوبيا لمشاركة البنك الدولي في المفاوضات فجاء نتيجة أن الذهنية السياسية الإثيوبية مبرمجة على العداء لمصر لفترة طويلة منذ صعود المشروع القومي الإثيوبي القائم على يد الزهاوي عام 1995 والتي بلورت الدولة الإثيوبية موقفا ضد مصر في وثيقة صدرت عام 2002 حددت فيها أن أكبر معوق لإثيوبيا هو مصر لتصبح في حالة تنافسية معها تصل إلى مرحلة العداء، ولعل هذا الأمر مدرج في الوثيقة. وبالتالي هذه الذهنية هي ذهنية معادية تتصور أن قدرتها على بناء عناصر قدرة الدولة الإثيوبية الشاملة لابد و أن تعادي فيها مصر وعليه لا تفكر في أي أطر تعاونية، ولاشك أن هناك داعمين لها في هذا المسار، فهناك من يريد إضعاف مصر من حيث قدرات الدولة الشاملة أهمهم إسرائيل فهي مدعومة ومصر لاتمتلك أدوات ردع متوسطة المستوى يعنى مصر أما علاقات تعاونية أو آليات ردع قوية .

+ هل بالفعل كانت هناك محاولات من جانب دولة إثيوبيا للإيقاع بين مصر و السودان لتعطي انطباعا للخرطوم بأن القاهرة تحاول استبعادها من مفاوضات سد النهضة ؟

++ من المتعارف عليه في السياسات أن كل دولة تسعى لإقامة تحالفات لدعم مصالحها، و لاشك أن إثيوبيا نجحت في تقسيم العلاقة المصرية السودانية تحديدا في موضوع سد النهضة .

+ لأي مدى أصبح سد النهضة أمر واقع ولابد أن نتفق مع إثيوبيا على آلية ملئه ؟

++ المشكلة أن حتى الآن إثيوبيا ترفض الاتفاق، ولا أعلم ماذا سيحدث فيما بعد بما يصعب معه التكهن بمجريات الأمور لاسيما وأن الملف إلى حد كبير ملف شائك يتم التعتيم عليه من الجانبين من حيث مسارات التواصل بين البلدين حتى لا يمارس معه نوع من أنواع تضخيم للأزمة عبر الإعلام وتلك هي المخاوف لدى النظامين .

+ في رأيك ما السيناريوهات المحتملة للتعامل مع إثيوبيا لضمان حقوق مصر التاريخية في المياه ؟

++ السيناريوهات المستقبلية لها مستويين، أولها مستوى مرئي للعامة وللخبراء وهنا قدموا سيناريوهات أما السعي وراء الوصول لاتفاق أو طرح اقتراحات آخرى أو اللجوء للتدويل، أما عن المستوى غير المرئي فهو أمر تمتلكه أجهزة الدولة والقيادة السياسية، وبطبيعة الحال تلك السيناريوهات المتبعة فى هذا المنوال لا نستطيع أن ندركها.

+ هناك ادعاءات تزعم أن غموض استراتيجية الحكومة وضعف عمليات التفاوض أثرت سلبا على الأزمة…ما تعليقك ؟

++ اختلف مع من يدعي ذلك ففي رأيي أن النظام الحالي قد ورث عن نظام مبارك تداعيات إهماله لإفريقيا بشكل عام، كما عانى مما تسببه فترة حكم مرسى في أن تخلق ذهنية عدائية لمصر داخل كافة إفريقيا، و عليه مصر حاولت إلى حد كبير وبقدر المستطاع أن تدير الأزمة بحكمة وأن تسير في إطار تعاوني وليس صراعي مع إثيوبيا، ولعل مصر راهنت على حسن النية من جانب إثيوبيا ولكن للأسف كل الرهنات المصرية كانت خاسرة ولم تكن رهنات صحيحة وفي ذات الوقت لا تريد مصر أن تتحمل رهان صراعي، مصر إلى حد كبير لديها أوراق تدعم موقفها الأخلاقي في موضوع سد النهضة أمام المجتمع الإقليمي والدولي وربما هذا ما يدعمها في مسألة تدويل سد النهضة أو تدويل القضية في المرحلة المقبلة .

+ رؤيتك بشأن محاولات مصر لكسب حلفاء في أزمة سد النهضة من خلال التوقيع على عدد من الاتفاقيات والتعاون في العديد من المشروعات مع دول حوض النيل ؟

++ مصر حتى الآن لم تلجأ لتحالفات لسببين، الأول أن مصر كان لديها تقدير أن بإمكانها حل الملف منفردة، الأمر الثاني أن أدوات الدولة المصرية حاليا في إبرام تلك التحالفات إلى حد كبير غير متوافرة لما تحتاجه لتمويلا ضخما ربما قد لا يتوفر في هذه اللحظة عبر القنوات التقليدية لاسيما وأنه كان لمصر شركات داخل إفريقيا غير أن هذه الشركات قد تم تعطيلها أو فقدت قدرتها مع الخصخصة و بالتالي الأدوات المصرية غير جاهزة لإدارة نوع من أنواع التحالفات القوية أو الناجزة .

+ ما مدى تقييمك للإرادة السياسية في إدارتها لهذا الملف الشائك ؟

++ الإرادة السياسية الحالية تجنبوا سيناريوهات صراعية قدر الطاقة، ربما قد يتغافله البعض ويرى أنه كان من المفترض أن تحاول تعطل السد بأي شكل خلال فترة سابقة والحقيقة أن الإرادة السياسية لا تتوانى في اتخاذ الخطوات الصحيحة لإدارة ذلك الملف الشائك.

+ في رأيك هل ستنتهي مشكلة سد النهضة عند ملء السد أم نتوقع مفاجأت أخرى ؟

++ بالتأكيد ملء السد في فترة طويلة يعني أن الحصة المائية المصرية تنقص بشكل كبير وبالتالي سيترتب عليها أزمات مصيرية في قطاعات متعددة منها قطاع الزراعة والسياحة لكون نزول مستوى النهر هيصبح له تداعيات اقتصادية خطيرة .

+ لأي مدى جماعة الإخوان تعمل بصبر لاستغلال سد النهضة واللعب على هذا الملف ؟

++ جماعة الإخوان المسلمين لاتتوانى عن اللعب على كل الملفات التي تستطيع من خلالها إضعاف النظام الحاكم أمام الرأى العام، وعلينا جيعا أن ندرك ذلك .

+ ملف آخر … تعليقك بشأن اتهام الرئيس السوداني عمر البشير مصر بدعم الحركات المتمردة في السودان والسماح لقيادات المعارضة السودانية البقاء على أراضيها ؟

++ تاريخيا دائما ما تتهم السودان مصر بأمور كثيرة ثم سرعان ما يتم التراجع عن تلك الاتهامات في المقابل نجد مصر تضع الأمور في سياقها و ترد ردود هادئة ومحددة و لاتسعى على الإطلاق إلى التصعيد، و لعل المسألة مرتبطة بأن هناك ملف بين البلدين على المستوى الرسمي أو على مستوى الكواليس إذا تم الاختلاف بشأنه فيتم التصعيد ضد مصر ولكننا نلاحظ أنه خلال الفترة الماضية أن الأزمة انتهت تقريبا على المستوى المعلن ومن المتوقع عودة السفير السوداني، كما قال وزير الخارجية أن الحشود السودانية على الحدود الإثيوبية لاتتعلق باي عامل خارجي ولكنه لعوامل داخلية والرئيس وجه سفيره أنه يحل المشاكل مع القاهرة وعليه سكت الإعلام السوداني عن تناول هذا الموضوع كما سكت نظيره المصري ليدعنا القول بأنها كانت أزمة عابرة ككل الأزمات التي سبقتها .

+ ماذا عن انتقال عدد من قادة جماعة الإخوان إلى السودان عقب ثورة 30 يونيه واستضافة الخرطوم وفدا إخوانيا في نوفمبر 2016، ضم عددا من النواب السابقيين للجماعة وهو ما رفضته الحكومة المصرية وأدانته بشدة ؟

++ السودان تاريخيا يلجأ إليها المعارضين المصرين، ولنتذكر أيام الرئيس الراحل أنور السادات كان الناصريون يهربون إلى السودان ربما لأن السفر للسودان كان سهلا سواء عن الطريق البري أو طريق نهر النيل لكون ضبط الحدود على السودان ربما لم يكن قويا خلال فترة سابقة، أما مسألة فرار الإخوان للسودان هذه المرة، ربما لما يعرف أن لهم إخوة في التنظيم داخلها و بالتالي من الطبيعي السفر إليهم كي يصبحون في الصف الثاني أو الثالث خلفهم، ومن هنا كانت السودان ملاذا لمثل هؤلاء لما تتيحه من بيئة نسبية آمنة .

+ ملف آخر…من المتعارف عليه أن النزاع على منطقة حلايب و شلاتين بين مصر و السودان ليس حديثا وإنما له تاريخ طويل , متى بدأ النزاع ؟

++ بدأ النزاع عام 1958 أثناء حكومة عبد الله خليل وكانت هذه الحكومة منتمية إلى حزب الأمة في وقت كان حزب الأمة السوداني على عداء مع مصر ،وبالرجوع لفترة الأربعينيات كانت قد تكونت الحركة الوطنية السودانية ضد الاستعمار البريطاني، وانقسمت هذه الحركة على سؤال ما هو نوع العلاقة مع مصر و هنا أراد جزء من الحركة الوطنية السودانية ممثلة في الاتحاديين تحقيق الوحدة بين البلدين و جزء آخر يسموا بالاستقلالين أرادوا أن تستقل السودان عن بريطانيا وعن مصر هنا انقسمت الحركة الوطنية السودانية، وبالتأكيد مصر لن تكن تشعر بارتياح إيذاء حزب الأمة الذي كان يريد الاستقلال عنها وكان الرئيس الراحل عبد الناصر لديه مخططات لوحدة البلدين لكن على أسس اختيار طوعي من الشعب السوداني و رأيت ضمن خطط الدولة المصرية خلال فترة دراستي وإعدادي رسالة الدكتوراه أنه كان هناك مخططا أن تكون هناك حكومة ظل سودانية وأن يتم الحفاظ على وحدة البلدين بشرط أن يكون ذلك عبر استفتاء وربما كان هذا سببا في إلغاء الاستفتاء لأنه تم الإحساس أن هناك اتجاه للتلاعب بالاتفاق الموقع عام 1953، أن يكون هناك استفتاء نظرا إلى ان كان هناك توقع أن يكون الاستفتاء في صالح الوحدة مع مصر وبالتالي خلال السنوات التي أعقبت استقلال السودان عام 1956 كان هناك عداء بين مصر خلال فترة الرئيس عبد الناصر وبين حزب الأمة .

في هذا السياق عام 1958 كان قد بدأ خلال حكومة عبد الله خليل، الخلاف حول المثلث الحدودي ربما حسب ما أظنه بعد سماح السلطات السودانية لشركة تنقيب كندية التنقيب في هذه المنطقة، فأعترضت مصر وعليه بدأت الأزمة منذ هذه اللحظة منذ عام 1958 .

+ لكن لأي مدى تصاعدت حدة التوتر خلال الفترة الأخيرة بعد أيام من إعلان الحكومة المصرية فى أبريل 2016 توقيع اتفاقية لترسيم الحدود البحرية مع السعودية، والتي أقرت فيها القاهرة بأحقية الرياض في جزيرتي تيران و صنافير من عدمه ؟

++ فى رأيي أنه لا صحة لذلك، فالتوتر زاد بعد محاولة اغتيال الرئيس حسني مبارك عام 1995و رد الجيش المصري على هذه الخطوة بقوة بغلق الحدود المصرية ليصبح هناك وجود حقيقي عسكري داخل مثلث حلايب وشلاتين مقارنة بفترات سابقة كانت مناطق خلاف حدودي وكان السودانيين يدخلون ويخرجون كما يشاءون، فجاءت الضربة بغلق الحدود وأعتبار المنطقة حدود مصرية ليصبح لها وجودا عسكريا تمارس كامل سيادتها عليها .

منذ هذا التاريخ بدأ يتصاعد التوتر حتى في مارس 2017 قامت الحكومة السودانية باستعمال لفظ احتلال لهذه الأرض رغم أن وثائق الجمعية الجغرافية بتثبت أنها أراضي مصرية بشكل أو بآخر، ولعل هذا النوع من الخلافات حول الحدود تحله الدول المتقدمة بأساليب غير الصراع لكن لكوننا منطقة تنتمي للقرون الوسطى بشكل عام نجدنا لا نعرف سوى التنابذ والصراع .

+ لكن هذا لا يمنع أن السودان ربما رأت في الاتفاق المصري السعودي أن الفرصة سانحة للمطالبة بحلايب وشلاتين من باب انتهاج أسلوب مماثل لما اتبعته القاهرة بشأن جزيرتي تيران و صنافير ؟

++ ليس لها علاقة ب “تيران و صنافير” لكن من الواضح أن محاولة للمقايضة والتلميح لمصر أن موقفها ربما يتغير حيال مسألة سد النهضة إذا ما وافقت مصر على حل الملف الحدودي، ومن ثم مصر لم توافق على هذه المقايضة وبالتالي فشلت المحاولة .

+ كيف ترين محاولات السودان لجر مصر إلى التحكيم الدولي وفي المقابل موقف مصر الرافض ؟

++ معادلة طبيعية لاسيما وأن لكل من الطرفين يملك وجهه نظر تختلف عن الآخر، مصر ترى أنه لا تحكيم على سيادة و تعتبر أن منطقة حلايب و شلاتين منطقة سيادة مصرية في المقابل تعتبرها السودان ضمن أراضيها ومن ثم تطالب بالتحكيم عليها .

+ في رأيك هل أصبحت حلايب و شلاتين بمثابة النقطة الحرجة في توتر العلاقات بين مصر و السودان ؟

++ لا على الإطلاق حلايب وشلاتين ما هي إلا عرض لمرض فحينما تكون هناك إشكالية ما في العلاقات المصرية السودانية يظهر الملف ثانية على السطح غير ذلك يبقى الملف خامل .

+ كيف قرأتي استدعاء السفير السوداني فى القاهرة إلى الخرطوم للتشاور دون إبداء السبب ؟

++ تصعيد كانت تحتاجه الحكومة المصرية عشية إعلانها عن موازنة جديدة وتوقعها أن يكون هناك حركة في الشارع فحاولت شد انتباه الشارع في اتجاه آخر .

+ و ماذا عن الموقف المصري حياله ؟

++ كان التعامل هادىء و اكتفت بالرد من خلال وزارة الخارجية المصرية بأنها ستعمل على تقييم الموقف بشكل متكامل لاتخاذ الإجراء المناسب، و هناك تصريحات تؤكد عودته ثانية للقاهرة .

+ قيل من تصريحات داخل الخرطوم أن سبب سحبه كان متعلقا بقضية حلايب وشلاتين ؟

++ القضية بطبيعة الحال شائكة وسرعان ما تطفو على السطح كلما حدث أمر ما في العلاقات المصرية السودانية، وما أود قوله أن السفير السوداني نفسه حينما سؤل عن أسباب استدعائه قيل إنه لا يعلم السبب ولكن الأمر يتعلق بملف داخلي ومع الأزمة وقت سحب السفير السوداني من القاهرة خرجت التصريحات تعلن أن الأمر متعلق ب “حلايب و شلاتين” بغض النظر عن كون الموضوع حقيقي من عدمه وربما هناك أمر آخر و لكن المعلن والمتصدر المشهد دائما ملف “حلايب و شلاتين” وإلى الآن لا نعلم الأسباب الحقيقة التي أدت إلى استدعائه .

+ ماذا عن قرار السودان بتسليم تركيا إدارة جزيرة سواكن الواقعة في البحر الأحمر لفترة زمنية غير محددة ؟

++ رأيتها دولة تحتاج إلى موارد اقتصادية ولهذا السبب سبق وأن استدعت السودان إيران للمنطقة ولا ننسى أن إيران كانت موجودة داخل السودان وكانت تفتح لحيثيات الشيعية وكانت بتأخذ تسهيلات عسكرية في البحر الأحمر و كانت تحارب مع شمال السودان ضد جنوب السودان وتدعم السودان عسكريا بما يعني أنه ليس جديدا استدعاء السودان لقوى إقليمية أخرى للاستناد عليها في ظل ظروف سودانية داخلية متفاقمة على الصعيد العسكري وعلى صعيد الاستقرار السياسي، فهذا أمر متوقع ولا يمكن النظر إليه مصيريا بكونه يمثل تهديدا بقدر ما يمثله قلقا لمصر من عناصر قوة الدولة الشاملة من قوات مسلحة قوية و مستوى تسليح جيد أيضا ثقافة مشتركة و هوية واحدة كما تتمتع باندماج وطني قوي .

+ ماذا عن اتهام السودان لمصر بتأييد قرار تمديد العقوبات المفروضة عليه من قبل مجلس الأمن الدولي بسبب الأوضاع في إقليم دارفور ؟

++ اتهام ليس في محله، فمصر عملت على تأييد قرار حظر التسلح وليس تأييد لاستمرار العقوبات والفارق كبير بينهما .. قرار حظر التسلح يعني حصر الصراع في مستوى معين وهو بخلاف استمرار عقوبات، وتاريخيا معروف أن مصر لم تدعم أو تساند اى نظام عقابي دولي ضد أي دولة في الإقليم وهذه هي الدبلوماسية المصرية منذ الفراعنة وحتى هذه اللحظة .

+ ما رؤيتك لزيارة أردوغان للسودان ؟

++ دولة تريد ان تتمدد إقليميا واتيحت لها الفرصة في السودان، ولا ننكر أن لديها مشاكل مع النظام السياسي الرسمي المصري وهي داعمة للإخوان المسلمين ومن ثم تكايد النظام المصري ربما ردا على التحالفات التي أقامتها مصر في إطار البحر المتوسط مع اليونان وقبرص غيرها، تلك صراعات إقليمية وليس أكثر .

+ ما رؤيتك بشأن تناول الإعلام المصري حيال تلك الزيارة ؟

++ لدي انطباع أن الإعلام المصري عمل على تضخيم الزيارة وكنت أتمنى تناول المسألة في إطار محدود دون تهويله، فالأمر مقلق لكنه في ذات الوقت لا يمثل تهديدا على الإطلاق ومن ثم كان الأمر يتطلب معالجته وتناوله بشىء من التوازن في التعامل مع هذا الملف على وجه التحديد والاستناد للخبرات التاريخية لاسيما وأن السودان دائما ما تستدعي قوى إقليمية معادية لمصر .

+ البعض رأى أن تراشق الإعلام المصري مع نظيره السوداني خلال المرحلة الأخيرة أضر بالعلاقات ؟

++ بالتأكيد التناول الإعلامي السطحي و الجهل بتاريخ العلاقات المصرية السودانية ومدى الوعي بالتفاعلات الثقافية والسياسية بشكل عام والاكتفاء بتعامل بعض الإعلاميين مع المسألة من منطلق “لم المعلومات” وإغفال كم الحساسيات القائمة بين العلاقات المصرية السودانية، أمر خطير يمكن أن يؤثر بشكل كبير في العلاقات .

+ هل من الأجدى للإعلام الابتعاد عن التدخل في العلاقات بين مصر والسودان وإتاحة الفرصة أمام الدبلوماسية لإدارة ذلك الملف درء لافتعال أي أزمات ؟

++ الإعلام له دوره ولكن مانتمناه هو دعم المعرفة بكافة الملفات بحيث يتسنى تناولها بوضوعية دون الوقوع في أخطاء وأن نضع المصالح الوطنية المصرية في المقدمة .

178

التعليقات