التقارير العالمية: بوادر انتعاش في الإقتصاد المصري

2017-03-13 (02:06 PM)

أماني عايد


ظهور مؤشرات مبدئية لإنتعاش الإقتصاد المصرى كان محور أهتمام العديد من الصحف الأجنبية والعربية خلال الفترة الماضية، والتى رأت أن مصر تتخذ الخطوات اللازمة لتحسين اقتصادها، وبدأت بعض العلامات فى الظهور ببطء بالفعل لتثبت أن هذا الجهد يؤتى ثماره، فبعد أن تمت إعادة هيكلة الإقتصاد المصرى، عن طريق تعويم الجنيه، ورفع أسعار الفائدة، وقطع الإعانات، وضمان قرض من صندوق النقد الدولى قيمته 12 مليار دولار أمريكى فى نوفمبر الماضى، بلغ صافى التدفقات الأجنبية فى البورصة المصرية أعلى المعدلات منذ عام 2011، بعد أن راهن المستثمرون على إنتعاش الأرباح والإستفادة من التقييمات الرخيصة لسعر الدولار.
فقامت صحيفة “ذا ناشيونال” الإماراتية بحصر بعض هذة المؤشرات فأخذت فى الاعتبار على سبيل المثال أن قيمة تحويلات المصريين فى الخارج ، والتى تمثل مصدرًا رئيسيًّا للعملة الصعبة تراجعت بأكثر من 2 إلى 17 مليار دولار أمريكى فى السنة المالية الماضية، بسبب إنخفاض الثقة فى الجنيه المصرى، وارتفاع معدل التداول فى السوق السوداء، لكن فى الآونة الأخيرة صرح البنك المركزى بأن المستويات بدأت فى التعافى، مع زيادة فى التدفقات بنسبة 12 فى المائة فى الربع الأخير إلى 4.6 مليار دولار أمريكى.
وصرح البنك المركزى المصرى أيضًا بأن الاحتياطيات الأجنبية للبلاد بلغت 26.3 مليار دولار بنهاية شهر يناير، حيث إرتفعت من 24.2 مليار دولار فى الشهر السابق. 
يأتى هذا التصريح بعد أيام قليلة من تصريح طارق عامر محافظ البنك المركزى بأن مصر تلقت مجموعة 4 مليارات دولار فى العوائد من سندات اليورو الصادرة فى سوق السندات العالمى الأسبوع الماضى.
وعلى صعيد آخر يبدو أن السياحة بدأت تنتعش، حيث أكدت وكالة السفر البريطانية “توماس كوك” أن الطلب لقضاء العطلات فى مصر انتعش مرةً أخرى، بعد أن دفعت الإضطرابات التى حدثت فى شمال أفريقيا السياح إلى عدم اختيارها.
جاء ذلك بعد أن كانت “توماس كوك” قد علقت رحلاتها إلى مدينة شرم الشيخ إثر تحطم طائرة روسية فى سيناء بعد إقلاعها فى 31 أكتوبر 2015، إلا أنها كانت قد طرحت رحلات مدينة الغردقة فى محافظة البحر الأحمر كبديل، ولكن يبدو أن آثار هذه الحادثة بدأت فى التلاشى بعد أن تداولت الصحف العالمية خبرًا عن استئناف روسيا للرحلات الجوية إلى مصر فى يوم 23 فبرايرالسابق من العام الجاري، حيث ستتجه الرحلات الجوية الروسية إلى ثلاثة مطارات مصرية وهم : مطار القاهرة، ومطار شرم الشيخ، ومطار الغردقة.
ومن الجيد أيضًا أن يتزامن هذا مع قرار أربع دول أوروبية، وهى: الدنمارك، وفنلندا، والسويد، والنرويج، برفع حظر السفر إلى سيناء، وبالتحديد شرم الشيخ، ليكون بداية قوية لعودة السياحة الخارجية، وكمؤشر جيد لتنشيطها.
أيضًا رأت صحيفة “ذا ناشيونال” فى تبعات قرض صندوق النقد الدولى لمصر، والبالغ قيمته 12 مليار دولار لدعم البرنامج الاقتصادى للحكومة على مدار 3 سنوات، بعض المؤشرات الإيجابية، فإتفاق صندوق النقد الدولى مشروط بقيام الحكومة بالتعامل مع الموقف المالى لمصر، وتحسين بيئة الأعمال وتحرير الاقتصاد، وتحقيقًا لهذه الغاية تعهدت الحكومة بتخفيض ضوابط رأس المال بحلول يونيو المقبل، وإلغاء حد 50.000 دولار على الواردات التى ليست ذات أولوية، و100.000 دولار على تحويل الأموال إلى الخارج من قبل الأفراد، وكان قد تم سن هذا الحد لوقف نظام الصرف الموازى الذى نشأ فى أعقاب الاضطرابات السياسية عام 2011، حيث كانت الشركات تعتمد على السوق السوداء كمصدر للدولار، وكان قرض صندوق النقد الدولى أيضًا يتوقف على سن مصر سعر صرف أكثر مرونة.
واستجاب البنك المركزى لذلك من خلال تعويم العملة فى أوائل نوفمبر الماضى لجلب رؤوس الأموال الأجنبية إلى البلاد وعودة تداول العملات الأجنبية إلى القطاع المصرفى الرسمى، لكن العملة المحلية فقدت نصف قيمتها بسرعة مقابل الدولار بعد تعويم العملة، لتصل إلى أدنى مستوى 19.64 جنيه للدولار فى 20 ديسمبر من العام الماضى.
ولكن يبدو أن الوضع أختلف الآن، فيقول “كريس جارفيس” رئيس بعثة صندوق النقد الدولى لمصر: هذا الشهر يتم تداول الجنيه فى توازن سعر الصرف الحقيقى، بمعنى أن عدد من يرغب فى بيع النقد الأجنبى يماثل عدد من يرغبون فى شراء العملات الأجنبية، أتى هذا بعد تصريح الصندوق عن تفاصيل القرض الذى يعد الأكبر فى المنطقة. 
وقال “جارفيس”: بينما الجنيه أضعف من توقعات الصندوق فإنه قد يتعافى بعد الفترة الأولى من التداول بعد التعويم ، وأضاف:هذا التوقع الحالى لدين
وتظهر هذه المؤشرات الإيجابية على الرغم من ذكر صحيفة (ذا ناشيونال) أيضًا لبعض التبعات السلبية، فذكرت رفع البنك المركزى أسعار الفائدة بمقدار 300 نقطة فى نفس اليوم الذى تم به تعويم الجنيه، وإرتفاع التضخم الأساسى السنوى –وهو مقياس يستبعد البنود المتقلبة– إلى 25.86 فى المائة فى ديسمبر، وهو أعلى مستوى منذ نحو 12 عامًا، وهذا يضع ضغطًا على الأسر فى بلد يعيش به نحو نصف الشعب أو أكثر تحت خط الفقر.
وللمرة الثانية فى غضون أشهرقليلة ، قامت الحكومة برفع أسعار بعض السلع الاستهلاكية كالسكر المدعم، وزيت الطعام.
،كما شهدت مصر أزمة السكرفي نوفمبر الماضي، فمصر تستورد حوالى مليون طن سكر سنويًا، ولكن النقص الحاد من الدولار جعل الواردات تنخفض، وترك السوق يعانى من نقص فى المواد الغذائية المعروضة، مما أدى إلى أن شركات المواد الغذائية الرئيسية مثل (بيبسى) أوقفت الإنتاج فى مصر بعد أن صادرت الحكومة إمدادات أسابيع من السكر، وسط نقص فى البلاد من المحصول.
أيضًا النشاط التجارى غير النفطى، الذى يعتبره صندوق النقد الدولى عنصرًا حاسمًا فى إنتعاش البلاد على المدى الطويل، لايزال لم يظهر تحسنًا كبيرًا، على الرغم من تسجيل توقعات لتحسن كبير بقطاع النشاط التجارى النفطى ،فقد ذكر موقع أويل برايس (Oil Price) الخاص بأخبار النفط والطاقة الأكثر الأكثر شعبية فى العالم، بالإضافة إلى وكالة الأنباء الأمريكية بلومبرج Bloomberg، أن ثلاثًا من الشركات الرائدة فى مجال النفط تضع مصر فى قائمة أولوياتها لضخ مزيد من الاستثمارات. فقد ذكر أن عدم الاستقرار السياسى وانعدام الأمن أضر بالاقتصاد المصرى، ولم ينجُ قطاع الطاقة، فحتى وقت قريب كانت مصر دولة مصدرة للغاز، ثم تحولت إلى مستورد فى عام 2014، ولكن بعد حدوث بعض الاضطرابات السياسية فى البلاد، والتى أدت إلى نقص الإمدادات المستمرة للطاقة، وبالإضافة إلى أن الطلب المحلى يفوق العرض، أدى كل ما سبق إلى تحطيم ثقة المستثمرين وتخفيض قيمة العملة المحلية وتخوّف الشركات الأجنبية من الاستثمار فى مصر.
لكن الأحوال فى مصر تغيرت فى أغسطس عام 2015، عندما اكتشفت رائدة النفط والغاز الإيطالية الكبرى (اينى سبا) ENI – Ente Nazionale Idrocarburi أكبر حقل غاز فى البحر المتوسط تم اكتشافه إلى الآن (ظهر)، وستبدأ (إينى) و(بريتيش بتروليوم) BP – British Petroleum الإنتاج بحلول نهاية عام 2017. وقد صرح الرئيس التنفيذى (كلاوديو) فى مؤتمر عقد فى القاهرة بأن (إينى) تخطط لاستثمار 10 مليارات دولار فى مصر على مدى السنوات الخمس المقبلة. وأضاف أن مصر ستصبح الهدف الاستثمارى الأساسى لـ(إينى) فى العامين المقبلين، فهم يراهنون بقوة على التنقيب عن الغاز المصرى وإنتاجه، وستكون مصر أكبر متلقٍ لاستثماراتهما فى السنوات المقبلة، حيث ستقومان بضخ مليارات الدولارات فى مشاريعهما هناك.
وأخيرًا، قامت مؤسسة كابيتال إيكونوميكس لاستشارات الأبحاث الإقتصادية فى لندن بعمل تقرير يثبت ظهور بوادر انتعاش الاقتصاد المصرى متمثلة فى تعافى قيمة الجنيه المصرى نسبيًّا أمام الدولار الأمريكى، مما يوضح أن انخفاض الاستيراد وانتعاش الاستثمار الأجنبى من الأسباب الرئيسية التى أدت إلى استعادة الجنيه 15% من قيمته أمام الدولار، ويُتوقع زيادة تدفقات رأس المال إلى مصر فى الفترة المقبلة. وذكر (جايسون توفاى) المحلل الاقتصادى بتقرير (كابيتال إيكونوميكس) أن الجنيه كان سيظل أضعف بكثير أمام الدولار قبل التعويم، فبعد أن عوَّمت الحكومة المصرية الجنيه وفقدت إثر تلك الخطوة أكثر من 50% من قيمة الجنيه مقابل الدولار الأمريكى، فإنه فى الأسابيع الماضية عوَّض الجنيه جزءًا من خسائره.
ومن المتوقع أن الإصلاحات التى جرى تنفيذها مؤخرًا ستظهر نتائجها فى تحسين السياسة المالية والنقدية المصرية بشكل ملحوظ فى عام 2017، وعلى الرغم من كون هذا نتيجة طبيعية لزيادة الاستثمارات الأجنبية والصادرات والسياحة، فإنه ينبغى رفع القدرة التنافسية للصادرات المصرية وقطاع السياحة للحفاظ على ذلك، فقيمة الجنيه المنخفضة سوف تُعزز عودة المستثمرين الأجانب، بدعم من قدرة الحكومة على تنفيذ الإصلاحات التى تزداد الحاجة إليها وتعهدات كبار المستثمرين من أجل زيادة الاستثمار الأجنبى المباشر فى البلاد.

التعليقات